فتذكر يا أخي المسلم: أن لك عدوًا، فكن بطلًا شجاعًا تهزم هذا العدو وتذكر (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) ، وتذكر قول النبي - صلى الله عليه وسلم - (من حفظ الله حفظه الله) .
من حفظ الله بارتكاب الطاعات واجتناب النواهي والمنكرات حفظه الله في الدنيا وفي القبر وفي الآخرة حفظه في نفسه وحفظه في ذريته وحفظه في الدنيا و الآخرة.
فتذكر يا أخي المسلم أنك في هذه الدنيا في معركة مع عدو قوي عدو يخطط عليك، وعدو ينتهز الفرص لإغوائك ولذلك شرعت الاستعاذة قبل قراءة القرآن، فإنه مطلوب من الإنسان أن يستعيذ قبل قراءة القرآن؟ لماذا؟
لأن الإنسان حينما يريد أن يقرأ القرآن فإنه يريد أن يفعل طاعة لله عز وجل هي من أجل الطاعات، وهذا لا يرضي الشيطان، فلذلك شرعت الاستعاذة، لأن الشيطان يأتي الإنسان ليشغله عن القراءة ويصده عنها ويجعله لا يتدبر القرآن الكريم، فلذلك شرعت الاستعاذة طردًا لهذا الشيطان الذي هو عدو للإنسان.
إذا أراد أن يعمل طاعة يصده عنها، وإذا أراد أن يعمل معصية زينها له، فالمعصية هي سبب كل بلاء وشقاء في الدنيا والآخرة يقول الله عز وجل (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) .
ويقول الله عز وجل (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا) .
وقال علي رضي الله عنه: لا يَرْجُونَّ عبدٌ إلا ربه ولا يخافنَّ إلا ذنبه.
هذا الكلام من علي رضي الله عنه يقول عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى:
وهو من أحسن الكلام فإن الرجاء يكون للخير، والخوف يكون من الشر ن والعبد إنما يصيبه الشر بذنوبه كما قال تعالى (وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ) وإن سُلط عليه مخلوق فما سُلط عليه إلا بذنوبه فليخف الله وليتب من ذنوبه ومعاصيه لأنها هي سبب البلاء وهي سبب الشقاء.
ولذلك أيها الأخوة يقول ابن القيم رحمه الله: فمما ينبغي أن يُعلم أن الذنوب والمعاصي تضر ولا بد وأن ضررها في القلب كضرر السموم في الأبدان على اختلاف درجاتها في الضرر، وهل في الدنيا والآخرة شر وداء إلا وسببه الذنوب والمعاصي؟؟
فما الذي أخرج الأبوين من الجنة .. ؟
وما الذي أخرج إبليس من ملكوت السماوات وطرده ولعنه وبُدّلَ بالقرب بعدًا وبالرحمة لعنة وبالجمال قبحًا؟
وما الذي أغرق أهل الأرض كلهم حتى علا الماء فوق رؤوس الجبال؟
وما الذي أرسل على قوم ثمود الصيحة حتى قطعت قلوبهم في أجوافهم وماتوا عن آخرهم؟
وما الذي أرسل على قوم شعيب سحاب العذاب كالظلل فلما صار فوق رؤوسهم أمطر عليهم نارًا تلظى؟
وما الذي أغرق فرعون وقومه في البحر؟
وما الذي خسف بقارون وداره وماله وأهله .. ؟ إنها الذنوب والمعاصي.
ولذلك يقول - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح (ما ظهرت الفاحشة في قوم حتى أُعلنوا بها إلا ابتلوا بالطواعين والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا ولا نقص قوم في المكيال والميزان إلا ابتلوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان وما منع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يمطروا، ولا أخلف قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوًا من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تعمل أئمتهم بما أنزل الله في كتابه إلا جعل الله بأسهم بينهم) .
فهذا الحديث يبين أن ما يقع في الأمة وما يقع على الإنسان من مصائب وبلايا وغيرها إنما هي بسبب الذنوب والمعاصي (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) .