الصفحة 104 من 227

لا يؤخذ منهم شيء حتى يحصد حصادهم. وعلى ما في هذا الكتاب عهد الله وذمة رسوله وذمة الخلفاء وذمة المؤمنين إذا أعطوا الذي عليهم من الجزية". وكذلك فعل المسلمون حين فتحوا مصر؛ فقد حسموا النزاع الذي كان قائمًا بين مسيحيي مصر ومسيحيي بيزنطة على بعض التصورات الدينية، وهيأوا لكل فريق الحرية أن يدين بما يشاء ووكلوا إلى البطريرك القبطي سياسة الطائفة وتدبير أمورها، وإصلاح ما هدم من كنائسها في أيام المقوقس. ومن الكنائس القبطية المشهورة التي بنيت في العصر الإسلامي كنيسة مار جرجس بحلوان، وكنيسة أبي مينا. ومما قرره الباحثون أن أكبر فرق بين الإمبراطورية الإسلامية وبين أوروبا التي كانت كلها على المسيحية في العصور الوسطى، وجود عدد كبير من أهل الديانات الأخرى بين المسلمين، وأولئك هم أهل الذمة، وإن الحاجة إلى المعيشة المشتركة وما ينبغي أن يكون بها من وفاق أوجدت من أول الأمر نوعًا من التسامح الذي لم يكن معروفًا في أوروبا خلال العصور الوسطى. ومظهر هذا التسامح نشوء علم مقارنة الأديان، أي: دراسة الملل والنحل على اختلافها، والإقبال على هذا العلم بشغف عظيم. ولم يكن التشريع الإسلامي يغلق دون أهل الذمة أي باب من أبواب الأعمال، وكانت قدمهم راسخة في الصنائع التي تدر الأرباح الوافرة، فكانوا صيارفة وتجارًا وأصحاب ضياع وأطباء. بل إن أهل الذمة نظموا أنفسهم بحيث كان معظم الصيارفة والجهابذة في الشام مثلًا يهودًا، على حين كان أكثر الأطباء والكتاب نصارى، وكان رئيس النصارى ببغداد هو طبيب الخليفة، وكان رؤساء اليهود جهابذتهم. ولم تكن الحكومة الإسلامية تتدخل في شعائر أهل الذمة الدينية، بل كان بعض الخلفاء يحضر مواكبهم وأعيادهم، ويأمر بصيانتهم . أما في التقاضي؛ فقد خلت الدولة الإسلامية بين أهل الملل الأخرى وبين محاكمهم الخاصة بهم، والتي كان الرؤساء الروحيون يقومون فيها مقام كبار القضاة. ص _110"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت