فهرس الكتاب
كان يفعل القوط باليهود، وكان من أثر هذه المعاملة وذلك التسامح أن رضي المسيحيون بالنظام الجديد واعترفوا في صراحة أنهم يؤثرون حكم العرب على حكم الإفرنج والقوط. وقد جعل المستشرق الإنجليزي"السير توماس أرنولد"فكرة تسامح الإسلام مع رعاياه غير المسلمين هي الفكرة الرئيسية في كتابه"الدعوة إلى الإسلام"، وأورد في شأنها كثيرًا من النصوص والشواهد التاريخية، وتتبع مظاهرها في إقليم فارس وولايات بيزنطة، وأشار بصيغة التشكيك إلى الروايات القليلة التي تناقضها من مثل ما أورده ابن العبري في تاريخه من أن الخليفة المهدي (158 ـ 69 أهـ) . رأى نفرًا من تنوخ يقيمون بظهر حلب، فلما علم أنهم من المسيحيين أمرهم- وهو في سورة الغضب ـ أن يعتنقوا الإسلام، فأجابوا وكان عددهم خمسة آلاف شخص، وآثر أحدهم الاستشهاد على الارتداد عن دينه. ويعلق أرنولد على أمثال هذه الروايات، وعلى الطريقة التي تحول بها السواد الأعظم من المسيحيين في بلاد العرب الشمالية إلى الإسلام فيقول: ولو أن المسلمين حاولوا إدخالهم بالقوة عندما انضووا بادئ الأمر تحت لواء الحكم الإسلامي؛ لما كان من الممكن أن يعيش المسيحيون بين ظهرانيهم حتى عصر الخلفاء العباسيين. ويبرز"أرنولد"في كتابه، ظاهر الخلافات المسيحية التي كانت متفشية قبل الإسلام بين النسطوريين واليعقوبيين، والاضطهاد الذي كانت تصبه كل فرقة على الأخرى، ويذهب إلى أن هذه الخلافات كانت عاملًا من العوامل التي مكنت للإسلام، وسهلت تحول الكتابيين إليه. وفي سماحة الإسلام يقول"جوستاف لوبون":"فهم الذين علموا النصارى، وإن شئت فقد حاولوا أن يعلموا النصارى كيف يكون التسامح الذي هو أثمن ما تصبو إليه الإنسانية". وقد بلغ من حلم عرب أسبانيا إزاء النصارى أنهم كانوا يسمحون لأساقفتهم أن ص _112