فهرس الكتاب
المصالح المشتركة: وهي باعث معقول على ائتلاف الناس وتكوين المجتمعات.. وهذا الباعث مظهر لعاطفة التعاون، وغريزة التجمع، فإن الإنسان بطبيعة خلقه يصدف عن العيش وحده، ولو رغب العزلة ما استطاع لحاجته الماسة إلى خدمة الآخرين. ولو أن المرء تأمل في وجبة طعام يتناولها لوجدها مؤلفة من جملة عناصر لم تأخذ صورتها الأخيرة بين يديه، وتتهيأ لارتفاقه إلا بعد أن أسهم عشرات الناس في ذلك... فإذا برزت عدة مصالح مهمة بين قبيل من الناس؛ مهدت لإقامة وحدة بينهم يشعر كل فرد أنه مسئول عن رعايتها. وعلى قدر ما في هذه المصالح من خطر ووزن، يكون الحرص على استدامتها والدفاع عنها. والعرب- من قديم- كانوا ينخلعون من أثرتهم ويفنون في القبيلة التي تمثل مصالحهم المادية والأدبية. وقد بلغ من شدة الذوبان في الكيان العام أن كانت القبيلة كلها تغرم ما يجني المنتسب إليها، وتشترك في دفع الدية عنه. وقد ذهب عهد القبيلة، كما انقضى عصر العصبيات الصغيرة. ومنذ احتضن العرب رسالة الإسلام، وانتشرت جموعهم في بقاع شتى؛ دخلت مصالحهم الجامعة في طور جديد، طور يفرض عليهم وحدة اجتماعية وسياسية، واقتصادية، وثقافية، تلم شملهم، وتحمي حقيقتهم. والأجزاء التي يتكون منها الوطن العربي يكمل بعضها بعضًا، وتكفل له كل حاجاته. كأنها جميعًا ملامح وجه ما تجمل قسماته إلا باستوائها، أو مشاعر جسم وأعضاؤه. فما يستطيع السعي ولا الحس إلا بتعاونها وائتلافها. وعندما قطع الاستعمار هذه الأمة أممًا، فرق بين اليد وأختها، فما تستطيع أحدهما أن تصفق، وباعد بين السمع والبصر، وبينهما جميعًا والقلب؛ فكان هذا التمزيق إبطالًا لكل مصلحة مرتقبة . ص _120