الصفحة 120 من 227

وهو جامعة ربطت بين شتى الشعوب الإسلامية. وتلك الجامعة لم تقتض ولا تقتضي وجود الإدارة أو السلطة المركزية- كما نفهمها-، بل إن أقاليم العالم الإسلامي حتى في العصور الأولى للخلافة الإسلامية تمتعت في الواقع بمقدار من الحرية مكنها من الانفراد بحياة إقليمية خصبة مثمرة. - والإسلام أيضًا ثقافة بمعنى أنه"طريقة حياة"، أو كما يقول السلف"آداب". وقد شرح ذلك ابن خلدون في قوله:"إن الحضر لهم آداب في أحوالهم، في المعاش والمسكن والبناء، وأمور الدين والدنيا، وكذا سائر أعمالهم وعاداتهم وجميع تصرفاتهم، فلهم في ذلك آداب يوقف عندها في جميع ما يتناولونه أو يتلبسون به من أخذ وترك حتى كأنها حدود لا تتعدى". فالحياة الإسلامية ثقافة بهذا المعنى الشامل لأمور الدين والدنيا. وكانت هذه الثقافة من صنع الشعوب الإسلامية، ومن عناصرها ما يرجع لأحوال الشعوب قبل الإسلام، ومنها ما يرجع لما اقتضته حاجات تطورها، إلا أن تلك العناصر تنطبع جميعًا بالطبع الإسلامي. وبناء على هذا تنوعت الثقافة الإسلامية تنوعًا عظيمًا. إذ هي في الأندلس تختلف مثلًا عنها في الهند. وهي في الغابات أو المراعي أو السواحل الإفريقية تختلف عنها في الشام أو في العراق. ولكننا نجد من وراء ذلك التنوع الطابع الإسلامي المشترك الذي أشرنا إليه، وكان بناء الثقافة الإسلامية على هذا النحو من أعجب فصول التاريخ الإنساني وأعظمها؛ فهي ثقافة واسعة سمحة، مكنت الشعوب التي عملت بها من أن تجاري مزاجها الخاص أو عبقريتها القومية مع اعتناقها الإسلامي. وقبلتها شعوب على درجات متفاوتة من الحضارة، أو كانت تنتسب لسلالات بشرية مختلفة، أو لأصول تاريخية متباعدة، فقبلها الحضري والبدوي، وقبلها السامي والحامي والآري، ونعم بها ذو العقل البدائي، كما نعم بها ذو العقل الراقي، وهكذا . ص _126

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت