فهرس الكتاب
ووجد فيها الزاهد ما يغنيه، كما وجد فيها المقبل على شئون دنياه ما يفي بإقباله، وفيها العناصر التي ترضي المتصوف والعناصر التي ترضي الفقيه. ولا يقل عن هذا كله خطرًا، أن المجتمع الإسلامي أفسح مكانًا لغير المسلمين كانوا فيه غير غرباء، فهو مجتمعهم- والثقافة الإسلامية ثقافتهم. وقد يقول قائل: إن الثقافة الأوروبية الحاضرة يشترك فيها أصحاب الأديان المختلفة وهذا صحيح، ولكن الثقافة الأوروبية استطاعت أن تقبلهم بعد أن تخلت عن نصرانيتها. وهذا في نظر العارفين سر بلواها. ومما لاشك فيه أن العروبة كانت دائمًا صورة متميزة من صور الثقافة الإسلامية، ولكن الذي يهمنا الآن هو عروبة العهد الحاضر. كما يهمنا البحث في شبهة خطرت وتخطر على أذهان كثير من الناس، ألا وهي: هل يوجد تعارض بين الحركة العربية والجامعة الإسلامية؟ وهذا على اعتبار أن الحركة العربية تقوم على أساس العصبية القومية اللادينية، وأن الجامعة الإسلامية تقوم بحكم الاسم على الأساس الديني". وقد أجاب الأستاذ المؤرخ على هذا التساؤل إجابة مفصلة. ويعنينا من شرحه الوافي بيانه: إن العروبة لم تنشأ عن عصبية قومية، وإن هذه الحركة المشهودة نتيجة عوامل طرأت على الأمة الإسلامية الكبرى عقب حركات الغزو التي اجتاحتها من الشرق والغرب، والتي انتهت بسيطرة الأوربيين على أغلب البلاد الإسلامية. وقد استفاق المسلمون في شتى الأنحاء بعد كبوتهم الأخيرة، وأخذ كل فريق منهم يكافح لتحرير موطنه من العدو الذي غلب عليه. العرب وغير العرب في هذا الكفاح سواء. فإذا كانت الظروف الطارئة شغلت كل مجاهد مصلح عن صاحبه مؤقتًا؛ فليس معنى هذا أنه نسي أخاه وأقبل على نفسه، أو نسي الإسلام وأقبل على قومه . ص _127"