فهرس الكتاب
ويشعرون أنهم كانوا جهالًا فتعلموا. ومتقاطعين فتواصلوا. وعبدة أوثان فانتقلوا من عالم الخرافة إلى عالم الحق. ومساعر فتن وحروب فأضحوا رسل عدالة وسلام. وقطرًا منسيًّا في زحام الحضارات، وتنافس المدنيات، فصاروا طلائع حضارة غمرت العالم بصبح من العلم والأدب براق الشعاع. أجل كان الخلفاء الراشدون في مجال الحكم، والأئمة الهداة في مجال العلم، مستيقنين بأن الإسلام وحده، لا شيء معه، هو الذي صنع من العرب المعجزة التي حيرت الألباب، والتي جعلت أولئك الناس يباغتون الأحياء بانطلاقة صعقت الباطل الذي طالما اختال واستطال، وأحيت الحق الذي غارت أصوله وتوارت معالمه. لم يكن ساسة الأرض يتصورون هذا، وما كان ساسة العرب- إن صح التعبير وكان للقوم ساسة!- ما كانوا ليظنوا أن القدر بالغ بهم تلك الدرجة السنية. ولكنها معجزة الإسلام وثبت بهم من السفوح إلى الذرى، فإذا هم مشهورون وكانوا من قبل خاملين. وصدق الله العظيم:"وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون". لكن في الطبع الإنساني انتكاسات غدر تثير العجب. ولقد رأينا في أغنياء الحروب من هبطت عليه الثروة، وكان من قبل لا يجد القوت. فإذا هو يلوي لسانه بكلمات عن عراقة أسرته، ومجد آبائه وكأنه يقول:"هذا حقي ورثته كابرًا عن كابر". لذلك كان عجبًا من بعض العرب أن يقف على أنقاض دول الأكاسرة والقياصرة، الدول التي شمخت بأنفها قرونًا دون أن يجرؤ أحد على مس هيبتها ثم يقول: ص _134