فهرس الكتاب
والواقع أن أول أعداء العروبة هم أولئك العرب الذي يجحدون فضل الإسلام على آبائهم وعلى ذراريهم، ويمضغون كلمات سخيفة عن محتد مزعوم وحسب منتحل. وجمهرة الأتقياء من العرب رفضوا هذا الكلام وجبهوا أصحابه. لكن الحياة لا تسير دائمًا وفق تقاليد التقوى، ولا في اتجاه المثل الفاضلة. فسياسة الحكم- والحكم أول ما انحل من عرى الإسلام- قامت على عصبية القوة والنسب. وللحكم سلطانه الغالب، وله تقاليد تنشأ في ظله، وله قصاده الذين يترضونه طلبًا للدنيا، ورفاهية الحياة. ومن الإنصاف للإسلام وأمته وتاريخه أن نحدد مقدار ما تسرب من مآثر الجاهلية إلى هذا القطاع من الحياة الإسلامية العامة. إنه فساد انحصر في بيئة الحكم وحواشيه، وسلمت منه كتل الجماهير وميادين العبادة والتعليم والأدب والقضاء والفتوى. ولئن احتلت العصبية دواوين السلطة، ودنيا الوظائف، لقد كانت محقورة في المسجد والمدرسة، والمحكمة والبيوت، والشوارع. واستطاع المسلمون من كل جنس أن يتقلبوا في مناصب القيادة الأدبية بين العرب والمسلمين، فإذا كان الأعاجم قد فاتهم أن يحكموا- أيام الأمويين مثلًا-؛ فإنهم سادوا أمصار العرب بالفقه، والسنة، والتفسير، والأدب واللغة. إلا أن جرثومة العصبية التي ملكت ناصية الحكم نفثت سمومها، وعكرت هذا الصفو المعنوي الكريم. فإذا لفيف من العرب الذين لم تتشرب أفئدتهم تعاليم الدين يغالون بدمهم ويفخرون بحسبهم، ويظنون أنفسهم أحق بالحياة والصدارة من غيرهم! ولم- بالله- يعتقد قومنا في أنفسهم هذا ؟ ومن الذي يصدقهم في ذلك الخيال الطائش؟ ص _136