فهرس الكتاب
أجل، إن العرب: لا الفرس ولا الترك هم الذين ينتحرون ماديًّا وأدبيًّا حين يحفون غيرهم من المسلمين، وحين تبلغ بهم الغفلة حدًّا يحسبون معه أنهم من غير الإسلام شيء له حظ أوله شأن.. بيد أن كراهية الآخرين للعرب تدحرجت من درك إلى درك حتى انسلخت بأصحابها عن الإسلام أو كادت، وهذه هي الطامة. تحول كره العرب إلى فتور نحو الدين الذي جاءوا به. ونشأ عن ذلك اعتداء على حدوده، وانفلات من تعاليمه... ثم أوغل القوم فحنوا إلى ما ورثوا من تقاليد ومبادئ ضالة. ثم ازداد الطين بلة حين استيقظت"الوطنيات"الأولى تربط الناس بمذاهبهم ونحلهم وتاريخهم الخاص، وتشعرهم أن الإسلام غريب عنهم، وأن أهله دخلاء، وأن لكل شعب أن يلتحق بجاهليته الأولى، وأن يتخلى عن دين الله. هذه هي الشعوبية. ليست الشعوبية النزاع بين جنسين على أيهما أحق بالسلطان. إنما الشعوبية أن يزهد قبيل من الناس في نسبه الإسلامي، وأن يدع الاستقاء من معين الدين، مؤثرًا عليه نسبه الخاص، ومعينه القومي. طاعنًا بذلك في العروبة التي حملت الإسلام، وضائقًا بالإسلام الذي نقله من حال إلى حال. الشعوبية أن يرفع بشار بن برد عقيرته بتفضيل النار على الطين في أبياته التي يقول فيها: إبليس أفضل من أبيكم آدم فتنبهوا يا معشر الأشرار فالنار عنصره وآدم طينة والطين لا يسمو سمو النار ـ فهذه نزعة مجوسية، مردها عبادة الفرس الأقدمين للنار على مذهب زرادشت، وذاك شيء محاه الإسلام محوًا، فكيف تستحي شاراته. ص _143