فهرس الكتاب
الشعوبية أن يرفع أبو نواس عقيرته بمدح الخمر، وأن يتغنى بمعابثة الغلمان، وتلك مفاسد يبرأ منها المجتمع الإسلامي العربي، وإن اصطبغت بها مجتمعات أخرى. الشعوبية فصل الإسلام عن مفهوم أي قومية، لتسير في الحياة وحدها بعيدة عن هديه، ناقمة على وحيه، أي أنها ارتداد عام. وقد بلغت هذه الحركة أوجها في القرن الثالث الهجري، وساعد على ذلك أن الخلفاء العباسيين تعصبوا للإسلام، ولم يتعصبوا كثيرًا للعربية، فحاربوا الزندقة، ولم يحاربوا- في شدة- النزعة العجمية، وذلك طبيعي لأن أكثرهم كما أبنا- مولدون. ولقي العرب من العجم عنتًا شديدًا؛ فالوزراء أكثرهم عجم، والدسائس تدس في القصور لإضعاف شأن العرب، وإذا ثار العرب في جزيرتهم أو في الأطراف؛ نكل بهم قواد العجم وجيوشهم أشد تنكيل، وفي أعماق نفوسهم شعور بأنهم ينتقمون منهم من يوم القادسية، ولم يكن شعور الترك الذين جلبهم المعتصم بأحسن حالًا من شعور الفرس، وكثر الشعر في هذا القرن والذي بعده من الأعاجم الذين تعلموا العربية يفخرون بنسبهم، ويعتزون بقومهم، فافتتح ذلك بشار بن برد كما رأيت، وتبعه ديك الجن الشاعر المشهور، قال في الأغاني:"وكان شديد التشبب والعصبية على العرب يقول: ليس للعرب علينا فضل، جمعتنا وإياهم ولادة إبراهيم عليه السلام، وأسلمنا كما أسلموا، ومن قتل منهم رجلًا منا قتل به، ولم نجد الله عز وجل فضلهم علينا إذ جمعنا الدين!". ويقول قائلهم: فلست بتارك إيوان كسرى لتوضح أو لحومل فالدخول وضب في الفلا ساع، وذئب بها يعوي، وليث وسط غيل ـ ونحن نرفض هذه المنابزات السخيفة، ونأبى أن تتقاذف الشعوب المختلفة بهذا اللغو. وننظر إلى الإنسانية المجردة، في كل امرئ من أهل الأرض . ص _144