فهرس الكتاب
فلما استتب الأمر له قلب ظهر المجن للإسلام وأعلن حربًا مروعة على العروبة وما يمت إليها، ورمى ببقايا الخلافة الإسلامية في البحر، وقرر انسلاخ الدولة عن الإسلام، ورفض بعناد وكبر إلا أن يجعل دستور الحكم لا دين له. وكانت هذه النكسة من أقسى ما لقي الإسلام في تاريخه من لطمات. والغريب أن تركيا هذه ابتعدت عن الإسلام ظنًّا منها أنها ستستريح وتستقر، لكن شاء الله ألا تكون تركيا في تاريخها كله أهون شأنًا منها في هذا العصر. وألحت نزعات الشعوبية على سائر البلاد الإسلامية، وتألفت لها مدارس قوية يمدها النفوذ الأجنبي بعطفه وعونه. وكان رجالها في القاهرة أجهر الناس دعوة إلى ترك الإسلام، والذوبان في أوروبا، ونبذ العروبة والإزراء على نسبها، وترويج مطاعن المستشرقين والمبشرين بين الناشئة، وخلق الجو الذي يموت فيه الإسلام، وتحيا بدله بواعث أخرى في الخلق والقانون والسياسية. وقد ألف الدكتور طه حسين كتابه:"مستقبل الثقافة في مصر"لبلوغ هذا الهدف، ودعا فيه إلى الذوبان في الحضارة الغربية، خيرها وشرها، حلوها ومرها على حد تعبيره، وبذل جهوده في تحويل الأمة المصرية عن عروبتها وتاريخها وعقيدتها وشريعتها، أي في تكفيرها جملة، ولا بأس أن ننقل طرفًا من كلامه في هذا الموضوع. بدأ الدكتور طه حسين مقدمة كتابه بهذا السؤال:"هل العقل المصري شرقي التصور والإدراك والفهم والحكم على الأشياء؟ أم هو غربي التصور والإدراك والفهم للأشياء؟". وبعبارة موجزة، كما يقول الدكتور (صـ 7) في الجزء الأول:"أيهما أيسر على العقل المصري: أن يفهم الرجل الصيني أو الياباني، أو أن يفهم الرجل الفرنسي أو الإنجليزي؟". ثم مضى يقول:"إن العقل المصري منذ عصوره الأولى عقل إن تأثر بشيء؛ فإنما يتأثر بالبحر ص _149"