فهرس الكتاب
دينًا، واتخذت لغته العربية لها لغة، فهل أخرجها ذلك عن عقليتها الأولى؟ وهل جعلها أمة شرقية بالمعنى الذي يفهم من هذه الكلمة الآن؟ كلا. لأن المسيحية التي ظهرت في الشرق غمرت أوروبا فلم تصبح أوروبا شرقية. فلست أدري ما الذي يفرق بين المسيحية والإسلام، وكلاهما قد ظهر في الشرق الجغرافي؟ إذا صح أن المسيحية لم تمسخ العقل الأوروبي، فيجب أن يصح أن الإسلام لم يغير العقل المصري أو لم يغير عقل الشعوب التي اعتنقته، والتي كانت متأثرة بهذا البحر الأبيض المتوسط. بل نذهب إلى أبعد من هذا فنقول مطمئنين:"إن انتشار الإسلام في الشرق البعيد، وفي الشرق الأقصى؛ قد مد سلطان العقل اليوناني وبسطه على بلاد لم يكن قد زارها إلا لمامًا !!. ولا ينبغي أن يفهم المصري أن الكلمة التي قالها إسماعيل، وجعل بها مصر جزءًا من أوروبا قد كانت فنًّا من فنون التمدح، أو لونًا من ألوان المفاخرة، إنما كانت مصر دائمًا جزءًا من أوروبا في كل ما يتصل بالحياة العقلية والثقافية على اختلاف فروعها وأنواعها". ويقول طه حسين:"إن مقياس رقي الأفراد والجماعات في الحياة المادية مهما تختلف الطبقات عندنا ؛ إنما هو حظنا من الأخذ بأسباب الحياة المادية الأوروبية. وحياتنا المعنوية على اختلاف مظاهرها وألوانها أوروبية خالصة. نظام الحكم عندنا نقلناه نقلًا عن أوروبا في غير تحرج ولا تردد. وإذا عبنا أنفسنا بشيء من هذه الناحية فإنما نعيبها بالإبطاء في نقل ما عند الأوروبيين من نظم الحكم وأشكال الحياة السياسية"أ هـ. الدكتور طه حسين يطلب طلبًا صريحًا أن ننسلخ من عروبتنا الشرقية، ونولي وجوهنا شطر الغرب ص _151