الصفحة 147 من 227

ومن هؤلاء الشعوبيين في الشام هراء خيالي، الذي دعا الشاميين- في جملة الآراء التي جاهر بها- إلى أن تصفو نياتهم، فينسوا الأجداد الذين يشيدون أبدًا بمفاخرهم، وينسوا الدولة الإسلامية التي يتغنون على الدوام بمجدها، وما عهدنا عاقلًا يدعو أمة إلى تناسي تاريخها، بل رأينا كل أمة تدرس تاريخها، مهما كان من اسوداد صفحاته؛ لأنه مهمازها إلى العمل، وتتمة ما بدأ به أجدادها، تتوقى شرهم، وتقتبس خيرهم، ورأينا من الأمم- كبعض جمهوريات أميركا الجنوبية- من تصطنع لها تاريخًا تتغنى به فيعينها على نهوضها، وأنت لو أردت من هذا المتفلسف أن يأتيك برجل يصح لنا أن ننسج على منواله لعجز واكتفى بأن قال لك: إن الإسلام لم يأت فيه رجل يذكر، ولاختلق الأكاذيب على من أجمعت الأمة بل الأمم على صلاحه أمثال صلاح الدين يوسف. ولشوقي في هذا المعنى: مثل القوم نسوا تاريخهم كلقيط عي في الناس انتسابا أو كمغلوب على ذاكرة يشتكي من صلة الماضي انقضابا من هؤلاء الشعوبيين في مصر رجل، يزعم أن الإسلام دين بدوي يتسم بكراهية الترف، وبشدة الإيمان بالوحدانية، وأن الوهابيين اليوم يمثلون روحه أصدق تمثيل، وأن العرب تقيدوا لأول أمرهم بالقرآن، فلم ينقلوا شيئًا من الأدب الإغريقي، بل كان الروح البدوي سائدًا فقوطعت الفنون الجميلة؛ لأن البدوي يكره بطبعه جميع ضروب الترف والحضارة، وهو نفسه يعيش في صحراء لا يحتاج معها إلى ما في فنون الحضارة من عمارة وتصوير ونقش. ولذلك حرم التصوير، كما حرم صناعة التماثيل، وصار الغناء والموسيقى يتلهى بهما السكارى، مع أن من الرسم تستفيد الأمة رأيها وذوقها في الجمال، ومن"الدرامة"تكتسب سليقة النقد الاجتماعي، فتبقى جذوة الإصلاح حية متقدة، وتنزع نزعة رقي وتقدم، إن تعصبنا للشرق تعصب للقديم أكثر مما هو للشرق، وأتفه من أن يقال إن حضارتنا قد أفلست أمام حضارة أوروبا. وليس علينا للعرب أي ولاء، وإدمان الدرس لثقافتهم مضعف

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت