الصفحة 150 من 227

أساس من حق قديم، بل الحضور والمضي، والحدوث والقدم إن هي إلا ألوان يبدو به الحق- أو الباطل- لعين الإنسان، وما هي من لون الحق في شيء، وإنما هي من لون المنظار الذي ينظر منه الإنسان، وإلا فالحقائق في نفسها متكافئة في الثبوت تكافؤ نقط سطح الكرة، غير أن حياة الفرد أخصر، وحقائق الكون أعظم وأكثر من أن يستوعب الفرد منها إلا جزءًا متضائلًا، كما أن العين لا تحيط من الأرض في آن واحد إلا بجزء من الأرض صغير. وقد يستطيع الجنس البشري إذا اتصلت به الحياة إلى الأبد أن يحيط من الحقائق، بمقدار يزداد إلى ما لا نهاية، من غير أن يستنفد هذه الحقائق، أو يشرف على أقصاها. ومهما يكن من شروط لكي تحقق هذا التقدم المطرد في استيعاب الحقائق، فإن شرطًا أساسيًّا له أن تتجرد حركة العقل- عقل الفرد، وعقل الجنس- تجردًا تامًّا عن التذبذب، فإن الذي يمحق الأعمار، أعمار الأفراد والشعوب، هو التذبذب بين غايتين، قرب المدى بينهما أم بعد، فلو ظل"البندول"يضرب إلى سرمد الدهر ما قطع أكثر من تلك القوس المحدودة. ولو ظل الإنسان تتعارض جهوده، وتلاغى أعمار، ينقض اليوم من غير دليل ما أبرم بالأمس، ويبرم غدًا من غير دليل ما نقض اليوم، لظل"البندول"يتحرك ولا يتقدم، وليس أعدى للفرد، ولا للمجموع من قوم يزينون له هذا التذبذب باسم التقدم، وهذا التعطيل باسم التجديد. 1 هـ. البعث العربي شعوبية العصر الحديث: كان هدف الاستعمار الحديث من هجماته الواعية القوية على ديار العروبة والإسلام أن يصيب مقاتل الأمة المغلوبة، وأن يباعد بينها وبين دينها جهد الطاقة. إن كرهه للإسلام قديم في تاريخه كمين في دمه، فكيف يضيع الفرصة التي واتته للإجهاز عليه، وعلى المنتمين إليه!. لذلك اتفقت كلمة الإنجليز والفرنسيين والطليان- وإن اختلفت وسائلهم- على أن يطاردوا الإسلام في كل مكان وأن ينشئوا أجيالًا جديدة تجهل تعاليمه أو تزدريها إن عرفت أطرافًا منها . ص _157

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت