الصفحة 151 من 227

فلما سقط الرجل المريض، وزهقت روحه وقسمت تركته في إفريقيا وآسيا على الدول الأوروبية الغازية؛ شرعت هذه لفورها تعمل في أدب ومكر لبلوغ غايتها. فكان أول ما نفذته في برامج التربية والتعليم محو الرابطة الإسلامية العامة محوًا تامًّا، وخلق"الوطنية الخاصة"لتحل محلها سواء في ميدان التاريخ القديم والسياسة المعاصرة، أو في ميدان الأخلاق والسلوك الشخصي والجماعي. ومن ثم أضحت الوطنية مناط الولاء، ومظهر الحماس، وأساس الانطلاق، والمعبد الذي يقدم على المسجد، والراية التي تجمع الكل.. لكن هذه الوطنيات التي ضخم الاستعمار مدلولها، ورتب عليها نتائج بعيدة عجزت عن قهر العقيدة الإسلامية وعن كسر تطلع المسلمين إلى إحياء شريعتهم واستعادة أمجادهم. وهنا جرب الاستعمار عوضًا آخر يكون أنكى في النيل من الإسلام، وتعويق سيره وتمخض دهاؤه عن مبدإ القومية، عله يجدي حيث فشل غيره!. وكان الأمريكان قد برزوا في الميدان الغربي، وساقوا بين يدي التبشير الحديث أمدادًا من المال، وفنونًا من العلم .. وتبدت لهم طبيعة المنطقة التي تضطرم بالقلق والحركة. فرأوا أن النزعة القومية يمكن أن تغلق الطريق على الإسلام، وأن الإصلاحات الاشتراكية يمكن أن ينحسر لديها المد الشيوعي. وبهذه وتلك يمكن للغرب أن يأمن عدويه- هكذا يفكر- الشيوعية والإسلام، فتبقى الشيوعية وراء الحدود لا يرغب فيها أحد. وتتلاشى أمواج الإسلام وراء سدود القومية حتى تجف وتتلاشى على مر الزمن. ونحن ولله الحمد عرب أصلاء، وأرسخ عرقًا في العروبة من أدعيائها الذين ولدوا في حجر الاستعمار الحديث. ونحن كذلك أحرص على أمجاد قومنا وأصون لها وأنهض بعبء هذه الصيانة الواجية. ولا نريد أن ندخل مع أحد في جدل نظري تافه: هل الدين جزء من القومية أو هو شراء بعيد عنها ؟ . ص _158

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت