فهرس الكتاب
ظل العرب زمانًي طويلًا وهم أنضر أهل الدنيا حضارة، وأذكاهم فكرًا، وأشرفهم سيرة، وأنقاهم سريرة. وامتدت بهم العصور وهم منفردون بهذا السبق البعيد، لا يكاد يدانيهم أحد في سعة الخطو، واستقامة النهج. ولولا أن العرب شغل بعضهم ببعض في فترات متراخية ما ردهم عن امتلاك المشارق والمغارب أحد؛ فإن تفوقهم المادي والأدبي- الذي صحب اعتناقهم للإسلام- أعجز غيرهم عن بلوغ المستوى الذي أحرزوه. ولقد وقف العرب دون عائق ظاهر أو خفي فلم يتابعوا مسيرهم المظفر في العصر الأول، ولا أنفذوا الرسل بدعوتهم العظيمة إلى الآفاق البعيدة كما فعل نبيهم الكريم. وكانوا يستطيعون- لو أرادوا- أن يجتازوا الصين إلى اليابان، وأن ينتقلوا من فرنسا إلى شرق أوروبا وشمالها.. أتظن وقفتهم هذه كانت حذر قوي ذات خطر في تلك البقاع؟ كلا، فإن الشعوب الأوروبية كانت من هوان الشأن بحيث لا تستطيع أن ترد فاتحًا، وهي وغيرها من الخلائق كانت تهيم في بيداء من الخرافات ليس لها من آخر. وليت العرب وجدوا عدوًّا مكافئًا ينافسهم وينافسونه، إذن لزاح عنهم الغرور العلمي الذي استولى عليهم وأغراهم بالقعود والدعة: كم يستفيد المرء من أعدائه؟ إن الرجل في ميدان الكفاح يتفقد صفوفه، ويتحرى أسباب سلامته، ويوجل أن يؤخذ عن غرة. أما إذا خلا الجو له فقلما يتحرك إلى عمل تنعقد له العزيمة، وتؤخذ له الأهبة، ولعله ينام تلبية لقول القائل: وإذا العناية لاحظتك عيونها نم فالمخاوف كلهن أمان والحق أن المرء يشعر بغصة عندما يقارن بين القمة التي اعتليناها دهرًا، والوهدة التي انحدرنا إليها بعد . ص _175