فهرس الكتاب
إن الهمل الذين عاشوا في أوروبا ألف سنة لا يصلحون لشيء بالنسبة لنا، صاروا اليوم سادة في دنيا تضن علينا بالنصفة."وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ". ظلت حضارة العرب شمس هذا العالم مئات السنين، وكان الإسلام خلالها مبعث الضوء والدفء والنماء والحركة. ورسالة الإسلام بطبيعتها تخلق أجواء البحث والنظر، وأجواء اليقظة والدأب. وذلك لأن الإسلام يعتمد في أصوله على منابع جياشة بالإلهام والبعث. قرآن يستثير الألباب والأفئدة، ويتضمن الكلم الفواصل في كل ما شغل الناس أو يشغلهم من قضايا الفرد والمجتمع والدولة. وإمام هدى شق في الحياة العامة طريقًا واضحة المعالم، يعجز الفلاسفة القدامى والمحدثون عن مثلها. أجل، فإن سنة محمد طراز من الحكمة العلمية والعملية لا نظير له في الأولين والآخرين .. ومن هذا الكتاب الكريم، وتلك السنة المطهرة، تتكون الثقافة الذاتية للإسلام- ونعني بالثقافة الذاتية للإسلام ألوان المعرفة والتربية التي كونت الأمة الإسلامية وصاغتها في قالبها المعروف . إن هناك علومًا لا وطن لها ولا جنس كعلوم الأحياء والرياضة. ودور العروبة في هذا القطاع الكوني العام يأتي حديثه بعد.. لكن الذي نومن إليه الآن ما أسميناه الثقافة الذاتية. الثقافة التي تضبط اتجاه الإنسان في الحياة، وترسم له الهدف بدقة، وتشد زناد مواهبه ثم تطلقه فيمضي كأنه قذيفة حية لا تميل ولا تزيغ .. هذه الثقافة الذاتية من الوفرة والخصوبة في تعاليم الإسلام بحيث تصنع الأمم صناعة كاملة، كأنها"جهاز"تام الأدوات لا يعجز عن أداء وظيفته في شيء . ص _176