فهرس الكتاب
وهذه الثقافة الذاتية إنما تنهض على ركائزها الأولى من الكتاب والسنة ومن علوم الكتاب والسنة، ومن إيلاف الخاصة والعامة لإيحاءات وغايات الكتاب والسنة. ومن هنا كان جهد الغزو الأجنبي للشرق الإسلامي أن يميت هذا الجانب من الثقافة، وأن يصوب إليه سهامه بإصرار حتى يشله عن عمله العتيد. وهو عندما نجح في ذلك خلق أجيالًا قد تكون بارعة في الكيمياء أو الهندسة، ولكنها تحيا بغير باعث أو هدف، بغير روح أو أمل، كرجل يسير في الطريق دون غاية تقوده؛ فهو يتفرج على كل زياط، ويتبع كل ضجة. كذلك سواد المتعلمين في بلادنا، يرمقون الحياة العامة بقلوب جعلها الاحتلال فارغة، فهم كلما برق أمام أعينهم مبدأ مستورد من الخارج تبعوه دون تمييز ودون اكثراث. وربما تبعوه تزجيه للفراغ وإضاعة للوقت. ونحن ننبه إلى ضرورة الحفاظ على الثقافة الذاتية للإسلام، ونهيب بأولي الحجا أن يتوجسوا من عقبى الفراغ النفسي والفكري الموجود الآن بين شتى الطوائف. إن ضياع هذه الثقافة الذاتية معناه ضياع أمتنا كلها.. ومن السهل أن ننظر إلى التاريخ الثقافي لأمتنا فنجد اشتغال المسلمين بعلوم الكتاب والسنة قد استنفد أوقاتهم وجهودهم، وكان الأسلاف يورثون الأخلاف هذه المعاني لأنهم يورثونهم فيها أسرار الحياة، وبواعث النشاط، وضمانات الرشاد!! أثر العقيد والشريعة في المجتمع: والقرآن- وهو أساس الإسلام- ليس مزامير وعظ، أو مناجاة رهبان متبتلين، فدائرته أرحب أقطارًا من ذلك. قد يستحلي الخاشعون تلاوته في محاريب العبادة، وتنحدر دموعهم لما احتوى من وعد ووعيد. لكن هذا الكتاب يصل الفرد بالحياة العامة والمجتمع المائج صلة لا يمكن إضعافها. ومفهوم الإيمان منه صلاح وإصلاح، ورشاد وإرشاد، وعقيدة تتعدى نفس الفرد إلى ما حوله من أشخاص وأشياء ص _177