الصفحة 171 من 227

وعندما تمر الحقائق النقية من هذه المصفاة تستقر في حنايا الصدر لتجعل صاحبها تقيًّا مخلصًا لله رب العالمين. والتقوى كلمة أبلاها سوء الاستعمال وطول الابتذال. غير أننا نسارع إلى التوكيد بأن لبابها الجليل هو سر الفلاح لأية جماعة. وهيهات هيهات أن يصلح مجتمع نضب فيه معين التقوى، وارتد أبناؤه؛ إما دواب تقودها طباعها، أو شياطين بارعة الفكر عديمة الخير. التقوى استصحاب المرء لرقابة الله وهو يباشر أي عمل، فهو يبلغ به درجة الكمال دون رغبة أو رهبة، وهو يجوده تجويدًا- ولو كان خاليًا- كأن ألف عين ترمقه. الإيمان هو الذي يسرج مصباح الضمير، ويجعل الناس يتحابون بروح الله، ويتعاونون ببواعث الحق والخير، ويؤدون الواجبات المنوطة بأعناقهم دون تململ. ماذا كسب المجتمع لما وهي سلطان العقيدة ؟ أنه خسر استقراره وسعادته، بل خسر نفسه. وإني أقارن بين"فقهاء"الكتاتيب الذين كانوا يأكلون فتات الصدقات، ومدرسي المرحلة الأولى في التعليم الحاضر- وهم أثرى وأرقى- فأجد إيمان الأولين جعل نتاجهم كثيرًا طيبًا. وأما الآخرون فعلى كثرة النفقة، وتعدد الرؤساء، وتعهد البرامج، وتنظيم الفرق، لم يثمروا شيئًا طائلًا. إنه لا العمال، ولا الموظفون، ولا الحكام، ولا سائر الطوائف يستطيعون الإسهام في إقامة مجتمع ناجح إلا على ضياء اليقين الراسخ والتقوى الغالبة والعبادة الحية، وكل ما تجمع باقة الإيمان الصحيح من فضائل وخيرات. واستقرار العقيدة في النفس والجماعة يلد أغلب الاتجاهات النفسية والأخلاق العملية، لكن البشر لا يستغنون مع هذا عن سلطات القانون. وقد يزع الله بالسلطان مالا يزع بالقرآن خصوصًا عند اعتلال القلوب، وغيض الوفاء . ص _179

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت