الصفحة 180 من 227

إن هذه يا صاحبي أكذوبة بالغة الحقارة. والحق الذي يعيه التاريخ أن أهل الغرب حديثو عهد بهذه النهضة. فهي بينهم ظاهرة طرأت على أحوالهم. لم يألفوها من قبل. وإن كبوة الحظوظ في ديارنا أمر موقوت، ما كان من خلائقنا، ولا تشبث له بأرضنا.. ودعوى الغرب أنه ورث الحضارة كابرًا عن كابر دعوى فيها من الإفك بقدر ما فيها من الجحود. إنه عندما ينكر أننا معلموه، وأنه عنا تلقى أصول نهضته العلمية الحاضرة يرتكب آثامًا لا تستغرب منه. فكم للقوم من آثام ؟ إذا قالت اليابان: إنها ورثت هذه الحضارة من جزائرها. لا من جيرانها الأقربين أو الأبعدين. فهي تأفك لأنها لم تتلق عن الأجداد شيئًا. وإنما تعلمت من غيرها ما تقدمت به في يومها هذا.. وليس لليابانيين القدماء مجد يتغنى به. ولا تاريخ يشرف أصحابه. وإذا قالت أوروبا إن عظمتها الحاضرة أثر أسلافها الصالحين. فهي توغل في الزور. فتاريخ أوروبا صفر. وتاريخها الوسيط هو الخرافة والبلادة والتعصب والضغينة. والواقع أن عصر النهضة الذي اهتزت به أوروبا لم يخلص لها إلا بعد أن انسلخت من ماضيها، كما ينسلخ الثعبان من إهابه. قد تقول: وتراث يونان الفلسفي كيف نسيته ؟ والجواب: ما نسيناه، ولكن من العبث أن ننسب إليه النهوض الغربي الحاضر. إن منطق أرسطو- وهو أدق أفكار اليونان- ما كان ولا يكون أساسًا للمدنية الحديثة. إن المدنية الحديثة نهضت على منطق الملاحظة والتجربة والاستقراء. وصرحها العلمي قام على هذه الدعائم،. وهي دعائم لم تعرف إلا من منطق القرآن الكريم، ومن إشراقات الحضارة العربية التي انبعثت فيه . ص _188

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت