فهرس الكتاب
ولولا القرآن، وما بعثه من حياة فكرية نضرت العقل الإنساني، ومهدت أمامه السبل؛ ما عرف عصر النهضة، ولا نضحت على أوروبا فيوض اليقظة الإسلامية التي غيرت حياتها، وبددت سباتها. إن أوروبا تستقبل اليوم العام الحادي والستين بعد تسعة عشر قرنًا لميلاد السيد المسيح، سلخت من هذا العمر المديد ستة عشر قرنًا وأهلها- على حد ما وصف القرآن بعض الناس:"لا يكادون يفقهون قولا"على حين كان أسلافنا مبرزين في علوم الدين والدنيا، وفي شئون الحياة العامة على الإجمال. وقد اقتبس الأوروبيون من حياتنا وعلومنا وفنوننا ما دعموا به كيانهم ولموا به شعثهم. ونحن هنا إنما نذكر شيئًا يسيرًا يكشف عن هذه الحقيقة. إن الإسلام غير أسلوب التفكير الإنساني، ونقله من مجرى ينتهي إلى الظنون والأوهام إلى مجرى آخر ينتهي إلى الحق واليقين. ربط القرآن الكريم بين العقل وأدواته من سمع وبصر، وبين مشاهد الكون المادي، وجعل مسرح التأمل والاستنباط في صحائف الحياة المحسوسة، ورفض ضروب التخمين التي كان يسبح فيها المنطق النظري القديم. كان التفكير القديم أشبه بهيمان الشعراء في أودية الخيال، وكان الجهد فيه مضنيًا، وقليل الجدوى، وبعيدًا عن الصواب . يغلق فيلسوف بابه على نفسه ويرسل أفكاره داخل حجرته تسبح في محيط ص _189