فهرس الكتاب
لا نهاية له، ويعود ببعض المبادئ والمناهج التي يظنها شيئًا طائلًا، وهي في ميزان الحق هباء لأنها مقطوعة العلاقة بهذا الكون الذي نعيش فيه. والتأمل الذاتي يغلب عليه أن يفرض المرء أفكاره الخاصة على ما حوله، فهو لا يتعلم من الكون حقائق كان يجهلها، بل يصبغ الكون بالآراء التي يتخيلها، وأغلبها حدس نابع من توهم صاحبه. لكن القرآن الكريم جر هذا المنطق الإنساني النظري إلى عالم الواقع، وجعله وجهًا لوجه بإزاء آفاق الأرض والسماء، وقال له: هنا فكر، ومن هنا استنبط:"إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون"والمنطق الإسلامي يتطلب من البشر أمرين. أولها: أن يتدبروا ملكوت السماوات والأرض، ويستكنهوا خواص الأشياء، ويتعرفوا من فقه هذا الكون عظمة القائم على علوه وسفله، وعرشه وفرشه. والآخر: أن يسبحوا في هذا الملكوت، ويستكشفوا المجهول منه، وينقبوا في البلاد، ويكونوا من هذا الانطلاق عقلًا واعيًا يحسن الإدراك والحكم؛ فإن الاحتباس في مكان واحد قصور في التصور والتصوير":"أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار و لكن تعمى القلوب التي في الصدور". وقد أفلح هذا المنطق الإسلامي في شق طريق الحياة أمام أمة عاشت على هامش الحياة دهرًا طويلًا، واستطاعت هذه الأمة العربية أن تمسك أزمة العالم المادية والأدبية قرابة ألف سنة . ص _190"