فهرس الكتاب
الاكتفأء في أحوال كثيرة بصور العبادات، والتعويل عليها في تقويم الأفراد، ورسم الدرجات . وهذا خطأ ؛ فليس كل من يرتدي لباسًا براقًا يكون نظيف البدن. والإسلام يعتمد قبل كل شيء على سلامة القلب وصحة الضمير. وكل طاعة تصدر عن قلب مغشوش فهي حابطة للأجر وإن راجت بين الناس في الدنيا. ونحن نلفت الأنظار إلى خطورة التدين الفاسد، تدين الظواهر التي تخالف السرائر، إما عن قصور في تزكيتها أو هو الاكتفاء بالتشرد الخادع عن اللب العليل. والأمم التي تقوم على الدين ينبغي أن تحذر هذا الاضطراب؛ فإن الشهوات النفسية الذميمة هي هي سواء أخذت صورة معصية فاجرة، أم توارت وراء ركوع وسجود لا يصلان الفؤاد بالله. وقد وجدت- في تجاربي- أناسًا من العامة والخاصة، أعني ممن يحسنون القراءة الدينية وممن لا يحسنونها، يدورون حول أغراضهم الذاتية بوسائل شتى، بعضها عبادات وبعضها عادات، فحركات الصلاة في منطقهم لا تزيد عن خطوات المريب إلى حيثما يشتهي ، وذاك سر نعي القرآن على أمثالهم:"وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم". والحضارات الدينية يطعن عليها دائمًا بمسالك هؤلاء الذين يسبحون الله بألسنتهم ولا يعرفونه في أعمالهم وأحوالهم. (جـ) انفراط عقد الجماعة وانسياق كل امرئ في سلوكه الخاص دون تقيد برسالة تخدم، أو جماعة تلزم، حتى ليخيل للإنسان أن هذا الإسلام أصبح دينًا لا أصحاب له، ولا أوصياء عليه. فإذا كان ينطلق بنفسه فلينطلق، وإلا فكل مسلم معني بشأنه وحسب. وهذه حالة لا تستمسك بها حضارة، ولا تستوثق بها مدنية، خصوصًا حضارة دين عام يجب أن تتساند القوى والمواهب والملكات لخدمته، وإنجاح دعوته، وإعلاء رايته. إن العامل الأول في قيام الحضارات وبقائها، وحدة الغاية والجماعة، فإن الحضارات ليست صناعة فرد، ولا جهد قوم مبعثرين . ص _203