الصفحة 46 من 227

وهل حررهم إلا الإسلام وقد كانوا قبله أصفارًا في التاريخ وعالة على أممه الكبرى أو عبيدًا يزحمون مستعمراتها في آسيا وإفريقيا! إن الأسلوب الذي يفسر به البعثيون رسالة العرب الخالدة قد يخضع أحيانًا للطبيعة الإسلامية التي صبغت العروبة يوم قدرت لها حياة. لكنه سرعان ما ينفلت منها، ويتمرد عليها ويعود للمكابرة الممجوجة التي يخدم بها البعثيون الغرب الصليببي والشرق الشيوعي على سواء. واسمع إلى"ميشيل عفلق"يسوي بين الإسلام وبين غيره من مراحل التاريخ العربي، ثم كيف يوسوس إلى قرائه بأن الماضي العربي يمكن الخلاص من بعضه وتقويم بعضه الآخر: يقول في 77، 78: (فهذه الأمة التي أفصحت عن نفسها وعن شعورها بالحياة إفصاحًا متعددًا متنوعًا في تشريع حمورابي وشعر الجاهلية ودين محمد وثقافة عصر المأمون، شعور واحد يهزها في مختلف الأزمان، ولها هدف واحد بالرغم من فترات الانقطاع والانحراف. ولكن هل يستتبع تبنينا لماضي الأمة واعتبارنا أنه يؤلف وحدة حية مع حاضرها ومستقبلها أننا نوافق عليه وعلى كل ما جاء فيه، وهل حياة الأمة مسيرة بقدر خارج عن إرادتنا، وأن كل مرحلة هي نتيجة حتمية للمراحل التي سبقتها؟ إن على الأمة أن تسهم إلى حد بعيد في خلق مصيرها، فإذا انحرفت عنه وتلاشت مساهمتها في صنع قدرها؛ فإنما ذلك لمرض طارئ تجب معالجته، فهذا الماضي كان يمكن أن يكون لبعضه خلاف ما كان، ولبعضه الآخر أن يكون أقوى وأكمل مما كان!. نحن سادة مصيرنا وصانعو قدرنا، ندرك إدراكًا عميقًا أن الأمة الحية هي التي تحيا الآن والتي ينفسح أمامها مجال الحياة للمستقبل، وإنها الأمة التي تخدم ماضيها باستخدامها إياه لا باستسلامها له. والأمة الحية تنمو وتتكامل ويكون ماضيها مهما سما دون حاضرها، ويكون مستقبلها أمامها لا وراءها) . ص _051

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت