الصفحة 52 من 227

في تاريخ هذه الأمة لا يعوزه الذكاء كي يلمح أن الخط الفاصل بين العصر الإسلامي والعصر الجاهلي فاصل بين شرك وفرقة معًا، وتوحيد ووحدة معًا . ص _056

والعلماء جميعًا متفقون على أن الجزيرة العربية لم تعرف الوحدة السياسية إلا بعد أن غمرتها أضواء الإسلام. وتلك طبيعة هذا الدين الحنيف في خلقه أمة لا مكان للانقسام في صفوفها ما دامت متمسكة بأهدابه، حريصة عليه. وما صح في نطاق الجزيرة العربية على عهد النبوة صح في فجاج الوطن العربي الرحب بعدما انداحت جيوش الإسلام في أرجاء آسيا وإفريقيا. إن الوحدة التي سادت هذه الربوع من المحيط إلى المحيط بلغت من العمق والشمول حدًّا يثير العجب . لو أن إنسانًا راقب هذه الأمة عند انفلاق الفجر لرأى أفرادها زرافات ووحدانًا منطلقين إلى المساجد، ولسمع هدير المؤذن"الله أكبر الله أكبر"من المنارات السامقة المبعثرة في العواصم والقرى من المحيط إلى المحيط.. هذا المنظر الساحر المتكرر منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا على أجزاء اليوم لا يختلف مكان عن مكان ولا جيل عن جيل.. إن هذه الوحدة التي سكبها الإسلام في ضمائر المؤمنين جعلتهم في شئونهم كلها إحساسًا جامعًا وفكرة مشتركة، وسترى عناصر هذه الوحدة التي يصدق فيها قول الحق:"إن هذه أمتكم أمة واحدة و أنا ربكم فاعبدون"شهدت أقطار الوطن العربي في أغلب تاريخها حكومة واحدة. وربما وقعت أحداث عكرت هذه الوحدة السياسية، ولكن العرب كانوا يرون هذه الأحداث أعراضًا موقوتة، أو سحائب صيف توشك أن تنقشع. ولم يعرف العرب مذ ولدت دولتهم الكبرى نكرًا كالذي حدث لوحدتهم السياسية في هذا العصر . ص _057

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت