الصفحة 56 من 227

ثم ركدت ريحه وقل أهله، وضعف أمره. فلما سقط العرب والمسلمون فرائس للغزو الغربي؛ شاعت في أرجاء الأمة المحروبة ألوان من التشريع مبتوتة الصلة بطبيعة العرب، وتعاليم الإسلام. بعضها لا تيني، وبعضها سكسوني، وبعضها لا يعرف له أصل. ومع غرابة هذا القانون عن أمتنا وبيئتنا، فإنه كثيرًا ما يحيد عن الحق، ويعجز عن الكمال، ويقصر عن رعاية الصالح الخاص والعام. ولن نبقى عربًا، بل لن نكون عربًا إذا ارتضينا زوال تشريعنا الأصيل، واستقرار هذا التشريع الوافد مع الغزو الأجنبي. إن هذا التشريع يستهدف إرخاص الأعراض والدماء، وابتذال الحرمات والحقوق... وهو- بهذا الطابع- يناقض طباع العرب الذين يغالون بالأعراض، ويبذلون دونها الدماء. ويغالون بحق الحياة، ويجعلون الثأر دينًا لهم إذا لم تسعفهم السلطات بإقرار القصاص. وقانون- تلك خصائصه- إنما وضع ليقتل الشخصية العربية، ويفقد هذه البيئة أعرق ما ورثت، ولذلك يستحيل أن تتم الوحدة العربية في ظلال تلك القوانين المجتلبة السيئة. ويجب أن أنقل كلامًا حسنًا في المقارنة بين الشريعة والقانون لرجل من أعلام القضاء، عاش ردحًا من الزمن يعالج تطبيق هذه القوانين الفرنسية في أمتنا العربية، فكتب بحثًا جليلًا عن"نهج الشريعة والقانون في تطبيق الأحكام"، قال في صدره- واصفًا بعض مواد القانون الحالي-: إن المشرع الذي وضع أحكامها كان فاجرًا؛ فقد نقل بغير تبصر عن التشريع الفرنسي أحكامًا لا تساير البيئة التي نعيش فيها ولا تتفق مع تقاليد بلادنا . فعنده مثلًا، أن الاعتداء على العرض عمل مباح متى جاوزت المرأة الثامنة ص _061

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت