فهرس الكتاب
أحدهما: يدور حول صلة الإنسان بالخالق، وثانيهما: حول صلة الإنسان بالمخلوق، فهو إذن قائم على أساس يجمع بين مصلحتي الدين والدنيا على سواء، لا في العبادات فقط، ولكن في المعاملات أيضًا، فتراه جعل لكل عمل حكمين: (1) حكمًا مرجعه إلى صلة الإنسان بالمخلوق، وهذا الحكم مستمد من الظاهر. (ب) وحكمًا مرجعه إلى صلة الإنسان بالخالق، هذا الحكم مستمد من الباطن. فالبيع مثلًا ناحيته الظاهرية هي نقل الملكية في المبيع والثمن ووصف العقد تبعًا لظروفه، بأنه نافذ أو موقوف أو فاسد. وناحيته الباطنية ترجع إلى قصد المتعاقدين، فيوصف بأنه مباح أو مندوب أو واجب أو حرام، فإذا كان البيع مثلًا لحاجة البائع إلى الثمن كان مباحًا، وإذا كان لاستثمار المال كان مندوبًا، وإذا كان لدفع مخمصة كان واجبًا، وإذا كان وسيلة لأكل الربا كان حرامًا، وهذا يستتبع فساد العقد عند بعض الفقهاء دون بعضهم الآخر. على أنه مع ترجيح وجهة نظر القائلين بأن الحرمة لا ينبني عليها الفساد، وإنما تكون المؤاخذة عليها عند الحساب يوم القيامة، فإن التشريع بهذه الوسيلة وهذا الأسلوب يعمل على خلق مجتمع صالح، وذلك بوضع تربية الروح وتهذيب النفس في الاعتبار، فينبني على ذلك بطبيعة الحال صلاح أعمال الأفراد؛ لأن النفس الخيرة لا تفعل إلا خيرًا، والنفس الشريرة لا يصدر عنها إلا الشر، ومتى صلحت نفس الفرد صلح عمله، ومتى صلحت أعمال الأفراد صلح المجتمع الذي يعيشون فيه. إذ من ذا الذي لا تنصلح أفعاله متى صلحت نفسه؟ وأي مجتمع لا ينصلح شأنه متى صلحت نفوس أفراده؟ ونهج التشريع الإسلامي في تقرير أحكامه على هذه الصورة هو بحق النهج المثالي لحماية المجتمع من أي تصرف يهدد كيانه. لأن تقرير الأحكام على الصورة المتقدمة أمر له أثره البالغ من ناحيتين أساسيتين: الأولى: ناحية وضع الأحكام بمعرفة الحاكم. الثانية: ناحية تنفيذها بمعرفة المحكوم . ص _063