فهرس الكتاب
فمن ناحية وضعها، لاشك أن الحاكم في بحثه عن الحكم والتماسه في الأصول سيعمل جاهدًا على معرفة ما يريده الله، فتأتي أحكامه من هذه الوجهة عادلة وغير مشوبة، فلن يضع حكمًا كالذي سلف بيانه يجعل فيه هتك الأعراض في بعض الأحوال عملًا مباحًا. أما من ناحية التنفيذ بمعرفة الأفراد فإنه لا ريب أن كثرة عظمى من الناس سيقبلون على تنفيذها بما يحقق رضا الله، يبتغون من وراء طاعته فضله ورضوانه. وهذا المعنى بذاته كفيل بأن يدفع الناس إلى الخير، ويكف أيديهم عن الأذى والشر، ويمنعهم من الاعتداء على الناس وأكل أموالهم بالباطل. ذلك أن الأحكام ستكون مؤيدة بوجدانهم ومتصلة بضمائرهم، فيخضعون لها عن عقيدة وحب لا عن رهبة وخوف. أو في الأدنى سيخضعون لها ابتغاء الثواب أو خوفًا من العقاب يوم الحساب. وستكون النتيجة الحتمية لذلك قلة عدد الجرائم والمنازعات، فيطمئن الناس على أرواحهم وأموالهم وأعراضهم، وتنعدم الشكوى إلى الحكام أو تقل، ويتناقص عدد القضايا أمام المحاكم، ويعيش الناس في راحة وأمان وهدوء واطمئنان. وعلماء القانون لم تخل أبحاثهم من التعرض لقواعد الأخلاق وإجراء المقارنات بين ما تتضمنه هذه القواعد وما أتت به أحكام القانون، فتراهم مثلًا يبحثون في الصلة بين القانون الجنائي والقانون الأخلاقي، ويقولون: بأن كلا القانونين يهدف في النهاية إلى إسعاد الفرد والجماعة عن طريق فرض أوامر ونواه يلتزم بها الناس، ولكنهم سرعان ما تصدمهم الحقيقة الصارخة وهي انعدام التطابق بين القانونين، وانحصار كل منهما في دائرته الخاصة، وإن تقاطعت الدائرتان في حيز مشترك. فمثلًا: (1) لا يعاقب القانون، كما أسلفنا على هتك العرض متى تجاوز المجني عليه الثامنة عشرة، وكان الفعل برضاه (المادة 269 من قانون العقوبات) . (2) ويقضي القانون بعدم جواز محاكمة أحد الزوجين إذا زنى ما لم يتقدم الزوج الآخر بشكوى يطلب المحاكمة (المواد 273، 277 من قانون العقوبات، 3