فهرس الكتاب
وحقيق بالذكر أن موسيقى الشعر العربي انتقلت إلى بعض اللغات الشرقية التي أصبحت مكانتها ثانوية، كما أن الحروف العربية أصبحت أداة الكتابة للفارسية والأوربية والتركية والأندونيسية.... إن الإسلام أضفى على اللغة العربية قداسة جعلت الحفاظ عليها دينًا، وضبط قواعدها عبادة؛ ولذلك تجاوزت علوم الشريعة وعلوم اللغة في كل دراسة إسلامية، وكان الأعاجم ينافسون العرب- وربما سبقوهم- في هذه الدراسات معتقدين أن المرتبة الدينية لأي مسلم إنما تقررها براعته في هذا الميدان. ولا يزال الجامع الأزهر دليل صدق على هذه الحقيقة، وينبغي ألا ننسى جنسية بانيه الأول، فهو مسلم من صقلية! والحركة الفكرية التي انتشرت في ربوع هذا الوطن الرحب ترجع إلى أصلين: (1) ما أنشأه الإسلام إنشاء من علوم خاصة به أو بلغته كعلوم التفسير والسنة والفقه والعقيدة والأخلاق، وعلوم النحو والصرف والأدب والبلاغة. وقد نهضت بهذه العلوم مدارس لا حصر لها، لا يكاد يخلو منها بلد ذو شأن، وذاك عدا الجامعات التي قامت في المساجد الكبرى أو انفردت لها معاهد خاصة. والمسلمون يقبلون على هذا اللون من المعرفة بوصفه مصدر توجيههم الديني. ولذلك يجلسون له في ساحات المساجد كما يسجدون لربهم في المحاريب. (2) علوم الحياة التي تفتق عنها العقل الإسلامي، بعد ما صحح الإسلام نظرته إلى الكون، وبعثه على التأمل فيه، واكتناه آياته، واستغلال خيراته، وقد أقبل العرب على هذا النوع من العلوم، ودعاهم هذا الإقبال إلى استحياء التراث الفكري القديم كله، وإلى استعراضه بدقة وشغف... وقد ارتفعت الحياة العقلية عند العرب في جميع الاتجاهات الإنسانية، وظهر ذلك جليًّا في حضارتهم التي سنتحدث عنها، وهي حضارة يحاول الجاحدون- تأثرًا بأحقاد صليبية- أن يطمسوا سناها، ولكن الحق أغلب . ص _067