فهرس الكتاب
شاعت هذه النهضة الأدبية والثقافية في شتى الأمصار والأعصار، وتعاون العرب والمسلمون على رعايتها وحمايتها، حتى أتى على الدنيا زمان لم تعرف فيها علمًا ولا فنًّا إلا في حواضر هذه الأمة الحفية بالعلم والفن. فكانت أجناس البشر تفد من كل فج لتتتلمذ على الذكاء العربي، وتعود منه بقبس إلى بلادها تنتفع به وترتفع... ثم عثرت الجدود بهذه النهضة، وجيء بالأسفار التي أفنى العلماء قواهم وأبصارهم في تأليفها، فرمى بالألوف المؤلفة منها في الأنهار والبحار وقضت تلك المجامع على أيدي التتار شرقًا والصليبية غربًا. ودام الصراع بين العلم والجهل قرونًا لم تكن الغلبة فيها للخير؛ فخرج العرب والمسلمون من القرون الثلاثة الأخيرة، وهم من الناحية العلمية ضعاف عجاف، ذبلت علوم الدين واضمحلت الحياة، وتبلبلت اللغة الفصحى. والوحدة العربية المنشودة يجب أن تعود سيرتها الأولى في المجال الأدبي والثقافي متأثرة خطى الأوائل في الدرس والتحصيل، معطية علوم الدين والحياة ما تستحقه من نظر ذكي وبصر قوي... وقد أصيبت اللغة العربية بجراحات وعلل تتقاضانا السرعة في مداواتها، والقدرة على تخليصها من العقابيل التي اعترتها سواء من تفريط أصحابها أو من كيد عداتها. إن دراسة كثير من العلوم المهمة لا تزال باللغات الأوروبية، والضعف النفسي الذي رمانا به الاستعمار جعل ألوفًا من المتعلمين يضيقون بلغتهم ويعجزون عن إجادتها. ثم وفدت الحضارة الحديثة بأشياء لا حصر لها في ميادين الصناعة وشئون الحياة لم نضع لها بعد الأسماء العربية التي تعرف بها. والتخلف في هذا المضمار شر وبيل، وأسوأ منه أن يعود العجزة على لغتهم بالاتهام والريبة. ومؤامرات الاستعمار لإسقاط منزلة اللغة العربية أصابتها بالكثير وتتهددها بالكثير . ص _068