الصفحة 71 من 227

اليعقوبي يقول:"تخلصنا من قسوة الروم وأذاهم وحنقهم وتحمسهم العنيف ضدنا، ووجدنا أنفسنا في أمن وسلام". ص _075

ويضيف المستشرق"أرنولد"إلى هذه المآثر حقائق أخرى، فيذكر أن المسيحيين أصبحوا تحت حكم العرب أحسن حالًا من قبل؛ لأنهم لم يحصلوا على حرياتهم فحسب: بل استطاعوا في كنف الإسلام أن ينشروا المسيحية في جهات لم يبلغوها من قبل، وذلك بفضل تسامح العرب واتساع رقعة الدولة العربية.. ماذا يطلب الإسلام بإزاء هذا السلوك العالي؟ إنه يطلب عوضًا لا يصعب على نفس شريفة ! يطلب أن يلقى الطمأنينة والود عند من بذل لهم وده وطمأنينته. والإسلام- كما نعلم- عقيدة ونظام، وهو يكره أن تحارب عقيدته بالفتنة والمقت، أو يحارب نظامه بالفوضى والعبث. فإذا نظر المسلمون إلى أهل الكتاب فوجدوا لدى بعضهم كنودًا يستنكر حق الحياة لهذا الدين، ويستبيح الاتصال بأعدائه في دول أخرى كي يكون لهم صنيعة، فماذا يفعل الإسلام؟ أيبقى يد الود مبسوطة أم يقبضها؟ أيدع حبل الموالاة موصولًا أم يقطعه؟ في هذه الحال من الغش والخيانة والعداء الكامن أو السافر؛ يهيب الإسلام بأبنائه أن ينكمشوا على أنفسهم. وأن يتضام بعضهم إلى بعض حتى يحسنوا الدفاع عن إيمانهم المهدد. وفي هذا يقول الله تعالى:"لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة و يحذركم الله نفسه وإلى الله المصير"."يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون". ولنضرب مثلًا من تاريخنا المعاصر يكشف عن هذه الحقيقة: في هذه الأمة العربية أكثر من تسعة أعشار السكان مسلمون، وبينهم قلة يهودية عاشت في بلادنا لم تلق ذرة من التقتيل والهوان اللذين لقيهما إخوانهم في أوروبا . ص _076

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت