فهرس الكتاب
إيمان فذ ينتظم القلوب والأفكار، وخلاف في الهيئات والبيئات واللغات لا أثر له في شيء ذي بال. ونحن واثقون من أن مستقبل الإسلام طيب، وأن العودة إلى الله الأحد الصمد سوف تنشرح لها صدور جماهير كثيفة من الخلائق، وأن بعد هذا الجزر مدًّا عريضًا تنتعش فيه مواريث السماء، وترفرف به أعلام التوحيد. ويومئذ لن يكون ولاء أبناء آدم لوطن أو جنس، ولن تكون عصبياتهم لمغنم، أو خرافة، بل لله وحده. إن الإسلام يجعل تعلق الناس بالروح لا بالمادة، بالسماء لا بالأرض، بالخصائص العليا لا بالغرائز الدنيا، وقد تعارف العرب والمسلمون في أقطارهم الفيحاء على تلك المبادئ المرنة السمحة، ونجوا من الوثنية الحديثة التي عرفتها حضارة الغرب فعرفت بها التشاجر والتشاحن وسفك الدم الحرام وأكل المال الحرام. إن المؤرخ الإنكليزي"توينبي"يحسد العرب والمسلمين على هذه الوحدة الزكية التي انتظمتهم مع تباين الدار، واختلاف الجنس فيقول:"إن الإنسان العربي يستمتع بمزايا عظيمة حيثما كان. تضفيها عليه نسبته للأمة العربية، فهو يشعر أنه في داره مهما تنقل بين بلاد العروبة والإسلام. إن الحجازي أو السعودي أو العراقي أو المصري أو المغربي أو التونسي... إن أحد هؤلاء لا يجد فرقًا في الجو الاجتماعي، ولا في روح الحياة العامة، ولا في مستوى الإدراك السياسي بين الرباط والقاهرة ودمشق وبغداد. بل المسلم- أيا كان لونه- لا يحس فرقًا يذكر عند ارتحاله بين حواضر الإسلام من (فاس) إلى (كابول) إلى (كراتشي) . فدار الإسلام تسودها مشابه جامعة! قباب المساجد، ومآذنها، والزوايا ونافورات المياه وطابع العمارة، وهتاف المؤذنين داعين إلى الصلاة، واستقبال شهر رمضان لأداء فريضة الصوم، وسائر معالم الإسلام التي تظهر على الأشخاص والأشياء... ص _080"