فهرس الكتاب
فالتمحيص العلمي يفرض علينا أن نتدبر شتى القوميات قبل أن نرسل القول على عواهنه. الدين في روسيا لم يكن أساسًا للمجتمع الشيوعي، ولا شيئًا ثانويًّا فيه، بل كان منكرًا محاربًا، وإذا شمت رائحة التدين من رجل شيوعي أقصي فورًا من عمله، ونظر إليه على أنه خائن للنظام الذي تقوم عليه الدولة. وبين ألف مليون كانوا يخضعون لهذا المبدإ الأحمر كان يمكن القول بأن الدين غريب على المجتمع.... لكن هل الدين كذلك في إسرائيل، أو باكستان؟ كلا. فاليهودية في إسرائيل أساس المجتمع والدولة، والإسلام في باكستان كذلك. والدين في كلتا الأمتين ركن ركين.. وقد تسأل: هل الكثرة العظمى من مجتمعات العالم تعد الدين ركنًا؟ ونقول: نعم، فالكثرة الساحقة من الدول النصرانية لا تفرط في دينها، ولا تستهين بإيحائه في علاقتها السياسية. وإذا كانت إسرائيل تقوم على الدين اليهودي، فإن المبدأ القائل: خلقت إسرائيل لتبقى يعود إلى أحقاد صليبية، وهو محور سياسة أمريكا وإنجلترا وفرنسا بإزاء العرب جميعًا وإسرائيل. وعندما نتحدث في العناصر التي تتكون منها القومية العربية، ونتعمد إطراح الإسلام منها، فنحن مخطئون علميًّا، واجتماعيًّا، وسياسيًّا. ذلك أن العروبة لم تنفخ فيها الروح، وتبرز إلى الحياة العالمية إلا مع الإسلام، أما قبل الإسلام فوجودها الأدبي صفر، ووجودها المادي فوق الصفر بقليل، والسيد كمال الدين محمود وهو يحصي أسس القومية العربية فينفي الدين منها، ثم يقول:"أما الركن الذي تقوم عليه القومية العربية فهو التاريخ المشترك والمصير المشترك، هذا التاريخ الذي حمل صورة واحدة، ومر على أدوار واحدة وصبغ هذا الوطن بصبغة واحدة منذ فجر الإسلام حتى اليوم". . نقول إن هذا الكلام يبطل ما سبق أن قرره هو من غربة الدين عن العروبة، إذ هو كلام يصرخ بأن العروبة لم يسجل لها تاريخ إلا مع بزوغ فجر الإسلام . ص _084