الصفحة 81 من 227

بالغيوم، وضبابهم الكثيف، وليلهم الطويل، وبطء طلوع النهار وانقضائه، فإن ذلك دفع بهم نحو الحذر المشرب بالهدوء وأورثهم التعاون المستمر في سبيل مقاومة الطبيعة القاسية، وضيق أمامهم فرص الفصاحة والجدال والاجتماع في العراء والتناحر بلا هوادة في الأسواق الجامعة، وجعل اجتماعاتهم ومشاوراتهم مختصرة وهادئه". والكاتب الأوروبي صادق في ربطه بين البيئة وآثارها في الناس، وصادق في تفرقته بين أخلاق اللاتين والسكسون. والعرب في أرضهم الفيحاء يعمرون مناطق شتى، فيها الوهاد وفيها النجاد، فيها الصحاري الجدبة وفيها الأودية الخصبة. وقد ترى فروقًا بارزة في طباع السكان هنا وهنالك. لكن يروعك في هذه الجماعات الكثيرة أن الإسلام أفرغ سلوكها العام في قوالب متشابهة، وقاد كل مزاج إلى ما يلطف به ويجمل فيه. وأرجاء الوطن العربي يكمل بعضها بعضًا في هذا المجال، وتؤلف مجموعات متناسقة من المواهب التي تنجح بها أعظم الرسالات. ومن المعجب أن ترى الإسلام أقدر عرب المناطق الحارة على الجهاد شهورًا طوالًا بين ثلوج القوقاز، يمسحون على أخفافهم ويقصرون الصلوات. ومع أن العرب - وهم يسكنون جنوب البحر المتوسط وشرقه- يشبهون أهل هذا الحوض من سكان أوروبا؛ إلا أن استقلال النفس العربية وقوة اعتدادها تجعل العرب في هذا المضمار مساوين للإنكليز وللألمان وغيرهم من سكان الشمال. والبشر يألفون أرضهم على ما بها، ولو كانت قفرًا مستوحشًا، وحب الوطن غريزة متأصلة في النفوس، تجعل الإنسان يستريح إلى البقاء فيه، ويحن إليه إذا غاب عنه، ويدفع عنه إذا هوجم، ويغضب له إذا انتقص. والوطنية بهذا التحديد الطبيعي شيء غير مستغرب . ص _087"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت