فهرس الكتاب
وإنك لترى العربي من السعودية يغالي بوطنه هذا- على فراغه من أسباب الرغد - وينظم عواطفه شعرًا من أرقى ما روت الدنيا وسجلت صحائفها: قفا ودعا نجدًا ومن حل بالحمى وحق لنجد عندنا أن يودعا بنفسي تلك الأرض ما أطيب الربى وما أحسن المصطاف والمتربعا وليست عشيات الحمى برواجع عليك ولكن خل عينك تدمعا بكت عيني اليسرى فلما زجرتها عن الجهل بعد الحلم أسبلتا معا ويقول آخر: تمتع من شيم عرار نجد فما بعد العشية من عرار ألا يا حبذا نفحات نجد وربا روضه بعد القطار وأهلك إذ يحل الحي نجدا وأنت على زمانك غير زاري ليال ينقضين وما شعرنا بإنصاف لهن ولا سرار هذه السعادة بالعيش في الوطن، وتلك الكآبة لتركه، مشاعر إنسانية لا غبار عليها، ولا اعتراض. ولكن العصور الحديثة طورت هذا المعنى الساذج، وجعلت الوطنية ولاء للتراب، وعبادة له، وقيامًا بحقوقه، وتفانيًا فيه، والعمل به. أي جعلت الوطن إلهًا، والتعلق به عبادة، وضخمت المشاعر الإنسانية حول هذا المحور المسحور، بحيث ابتلعت علاقات الناس بدينهم، فإذا لم تفلح في إزالتها أفلحت في تأخير رتبتها، وإخفات الكلام عنها، وإماتة أحكامها ووصاياها. وهذا الضرب من الوثنية ينكره الإسلام أشد الإنكار، إن ارتفاق البشر من مكان ما؛ لا يطوع لهم عبادة هذا المكان. وقد كان قدماء المصريين غافلين عندما عبدوا نهر النيل لطول ما ينتفعون منه. والمعروف عند أولي الألباب أن الأرض ملك الإنسان وليس الإنسان ملك الأرض، وأن المرء قد يخسر هذه الأرض التي يعيش عليها في ظروف حرب ، ص _088