فهرس الكتاب
تلمح ذلك جليًّا في علوم الشريعة، وفنون الأدب، وآفاق العمران، ومناحي الفلسفة، وفي أرجاء حضارتنا التي نملأ أفواهنا بها فخرًا.. لقد كنت في مكة أرى أغلب الملامح البشرية حول البيت العتيق. ونظرت يومًا إلى مئات المساجد في القاهرة عاصمة العروبة والإسلام- فرأيت جل بناتها من الأعاجم- بمعادنهم الأولى... وغلغلت البصر في مواريثنا النقلية والعقلية فرأيت سدنتها من أولئك الرجال الذين دخلوا العروبة من أبواب الإسلام وجعلوا العروبة بهذا المدخل الكريم ملتقًى ساميًا لأنضر ما عرفت الحياة من جهد، وأشرف ما وعت من غاية."ففي كل من الفقه واللغة والأدب والتاريخ وغيره من العلوم والفنون نعرف من الأعلام أمثال: الزنجاني، والشيرازي، والأفغاني، والسندي، والأذربيجاني، والفيروز آبادي، والزمخشري، والبغدادي، والحلبي، والصفدي، والأشموني، والقلقشندي، والجبرتي، والصقلي، والقيرواني، والمراكشي، والصنهاجي، والقرطبي، وألوف سواهم، لو عينت مواقع بلادهم على المصور الجغرافي للكرة الأرضية لاستغرقت أكبر جانب. ولو أننا عمدنا إلى فرع من فروع العلوم والآداب العربية فرسمنا مصورًا جغرافيًّا لمن اشترك فيه من خلق الله على ظهر الكرة الأرضية؛ لاستبانت لنا عالمية الفكر العربي الموحد في هذا الفرع العلمي أو الأدبي، لا في عصر بعينه بل في شتى عصور التاريخ. ومن الحق أن نصارح بأن هذه العالمية الفكرية، وهذا التلاقي على وحدة جامعة في المنحى والاتجاه، كان كلاهما بمنأى عن الأحداث والكوائن التي تعاقبت على الأمة العربية خلال القرون، فشتتت شملها، وبددت عقدها، وتركتها نهبة للفرقة في الحكم والسلطان. لقد استعلت وحدة الفكر العربي وعالميته على تنازع السلطات والدولات. فبقيت الأمة العربية ملتئمة الوحدة، تتبادل الفكر والرأي في ضروب الثقافة، على الرغم من اختلاف الوجوه التي تؤول إليها الإمرة والسلطان . ولا شك في أن هذه الوحدة الفكرية كانت سموًّا"