فهرس الكتاب
ونشأ على صيانة اللغة وإضفاء القداسة عليها أن احتفظت بكلماتها وقواعدها ونماذجها العليا من زمن لا يؤثر مثله للغة أخرى. فلو أن عربيًا مات من ألف وأربعمائة سنة؛ قيض له أن يعود اليوم حيًّا، لوجد لغة القرآن هي هي، ولوجد أداءها الموسيقى لم يتغير قليلًا ولا كثيرًا، ولوجد اللغة العربية التي ألف لفظها وجرسها على النحو الذي ألف، لا يغض من ذلك أن اللهجات واللحون تنتشر بين الرعاع وأشباههم من صرعى الثقافة الفرنجية. وتلك حال لا تعرف للغة أخرى كالإنكليزية والفرنسية وغيرهما. وللعربية ميزة أخرى! إنها موعودة بالخلود من رب العالمين، فهناك لغات بائدة أو شبه بائدة، ولغات دخلت في أطوار تقطعها عن أصولها الأولى. أما اللغة العربية فسوف تبقى بنحوها وصرفها وخطها وبيانها وبديعها ومعانيها ما بقي في الحياة إيمان، وما بقيت للإيمان أتباع وألسنة. وكانت اللغة العربية التي نتكلمها الآن شائعة في وسط الجزيرة العربية وشمالها خلال القرون السابقة لبزوغ الإسلام. أما اليمن وجوارها فكانت لأهلها لغة مخالفة، وشاءت الأقدار أن تضطرب الأحوال السياسية في الجنوب العربي، وأن تضمحل قواه الخاصة، فواتت اللغة العربية ظروف حسنة جعلتها لغة سكان الجزيرة جميعًا، ولعل ذلك كان إعدادًا للرسالة التي انشقت عنها الغيوب، وتضافر على إبلاغها أهل الجنوب والشمال على السواء. وبظهور الإسلام واندماج العروبة فيه شرعت اللغة العربية تأخذ مكانتها العظمى من لسان محلي لقوم محدودين إلى لغة عالمية تجتاز التخوم وتطوف بالمعمور من أرض الله. وهي الآن اللغة السائدة في وطن يستوعب أخطر بقاع الأرض، واللغة المقدسة لخمس سكان العالم تقريبًا . ص _094