الصفحة 90 من 227

"والحضارة العربية في الأدب مثلًا كانت شركة بين أطراف بلاد العروبة لكل بلد فيها إسهام، ولكل بلد مقام. فالشريف الرضي، وابن الرومي في العراق، وأبو تمام وأبو العلاء في الشام، وابن هانئ، وابن رشيق في المغرب، وابن سناء الملك والبهاء زهير في مصر. كل أولئك وأضرابهم شعراء تعاونوا على إقامة عمود الشعر العربي، وإعلاء بنيانه، فبقي على الزمان وطيد الأركان. ولربما اختلف الشعراء فيما لهم من ملكات وخصائص، وفيما تأثروا به من بيئة و جو، وفيما استجابوا له من حوافز الحياة والمجتمع، ولكنهم يلتقون جميعًا على وحدة تعبيرية أصيلة، ووشائج فكرية وثيقة، وأوضاع شعرية ثابتة، بحيث تؤلف من أنماطهم ديوانًا عليه طابع التوافق والانسجام، وإن اختلفت ألوانه اختلاف ألوان الزهر في عرش الربيع. ولقد كان من أثر هذا الطابع المتوحد المشترك في الشعر العربي أن استساغ قارئ العربية في أقصى الصين ما ينشده شاعر العربية في ربوع الأندلس، مستمتعًا بما في ذلك الشعر من أخيلة واستعارات ومشاعر تزدهر بها الشخصية العربية في كل عصر، ويتكون منها الطابع العربي في كل مكان. ونحن نعرف أن ابن عبد ربه ألف كتابه"العقد الفريد"وهو في قرطبة، مختارًا لآلئه ويواقيته وزمرداته من أدب الشرق خاصة، ولقد اختارها مما بين يديه، ومما حواليه، ما نقل إلى الشرق قدمًا، ولا عرف عنه أنه كاتب من الشرق أحدًا. ولم يكد يخرج كتابه إلى الناس حتى تسامع به المشارقة، وطلبه الصاحب ابن عباد فلما تصفحه قال:"هذه بضاعتنا ردت إلينا"، وما أنصف الصاحب في قوله، فإن الكتاب فيه عبقرية التأليف والاختيار، وفيه فوق ذلك شعر صاحب العقد نفسه. ومهما يكن من أمر، فإن هذه القصة التاريخية تدل على حقيقتين: أولاهما: أن أدب المشرق كله كان يملأ المغرب كله. والأخرى: أنه ما يكاد يخرج كتاب في المغرب حتى يتلقفه أهل المشرق، وفي هذه وتلك برهانان على وحدة الفكر العربي وتواصله، وإن تباعدت الديار"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت