الصفحة 92 من 227

إن التاريخ يحدثنا عن المذابح الدينية التي طحنت الجماهير في أوروبا. ويحدثنا أن حرية الاعتقاد لم يكن لها وجود خلال العصور الوسطى في تلك الأقطار التي مزقتها المنازعات الدينية الرهيبة. ورأينا في نهاية القرن السادس عشر بعد صدور قوانين"نانت"في فرنسا، أن هذه القوانين التي تطلق سراح العقائد وتسمح للفرد باعتناق الدين البروتستنتي في الدولة الكاثوليكية دون حرج معناها: أن اعتناق الفرد البروتستنتية- وهي ليست دين الملك- يجبره فعلًا على الرحيل عن البلاد، آخذًا أمواله، غير متعرض لأذى. فهل إقصاء المسيحية عن الحكم- لأنها تضن على بعض المواطنين بالبقاء في بلادهم- ينسحب على الإسلام الذي استطاع يهودي في ظله أن يرفض بيع متاع لرئيس الدولة إلا برهن؟ فجاء صاحب الرسالة بدرعه رهنًا للطعام الذي احتاج إليه وأخذه اليهودي وهو في دار الإسلام، آمن على ماله وعرضه ودينه ونفسه وولده وحاضره ومستقبله، وذلك قبل قوانين"نانت"بتسعة قرون. وهل هذا الدين يتهم بأنه يصادر حرية الاعتقاد؟ ثم يجيء مغفل يلبس مسوح البحث العلمي فيقول: إن الدين في الغرب قد أبعد عن المجتمع وأمسى لا ركنًا فيه ولا نافلة، فليطبق ذلك على الإسلام إن"أوربا"لم تبدأ راحتها إلا يوم عزلت الدين عن الدولة وعن العلم وعن الاقتصاد؛ لأن المسيحية ظلت إلى القرن السادس عشر من تاريخ أوروبا مصدر قلاقل اجتماعية وعقلية انتهت بها إلى هذا المصير. أما الإسلام بالنسبة إلى العرب خاصة؛ فقد أحياهم ماديًّا وأدبيًّا، ورفع أقدارهم بمبادئ الحرية العقلية والنفسية التي طلعوا بها على العالم طلوع البدر في الظلام، أو طلوع الشمس في الغمام، فكيف يجرؤ أحد على بخس حقه ونقص فضله؟ ولندع تلك الغضبة، ولنناقش الموضوع نفسه، ولنكشف ما وراءه من بواعث! إنك لن تعدم شخصًا يقول لك: كيف نجعل الإسلام ركنًا في المجتمع العربي ، ص _098

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت