فهرس الكتاب
إنه جاء يبشر بدولة إسلامية عريضة في ظل خلافة عثمانية قوية. وهي فكرة كان يمكن تحقيقها لو أوتيت تركيا يومئذ من القوة المادية والمعنوية ما يكفل لها ذلك. ومنذ خابت آمال أوروبا في الشرق الأقصى- أي الصين واليابان-؛ اتجهت آمالها الاستعمارية إلى الشرقين الأوسط والأدنى. فصوبت إليهما سهام الاستعمار. ثم نهض المسلمون في بلادهم. وخشي الاستعمار الأوروبي نتائج هذه النهضة. وعندئذ أصبح للجامعة الإسلامية معنيان: أحدهما في أذهان المسلمين في الشرق والثاني في أذهان الأوروبيين في الغرب. فأما المعنى الأول لفكرة الجامعة الإسلامية في أذهان المسلمين؛ فهو النهوض ببلاد الإسلام نهوضًا تستيقظ به من سباتها. وتتخلص به من النفوذ الأوروبي الذي كان عاملًا حقيقيًّا في تخلفها. لا في تقدمها كما زعم القوم. وأما المعنى الثاني لفكرة الجامعة الإسلامية. فهو ما وقر في مشاعر الغربيين وأفكارهم من أن الإسلام يعاود زحفه القديم. ويتهدد كيانهم الروحي ونفوذهم السياسي… ثم إن النزاع الدامي الذي نشب طويلًا بينهم وبين الأتراك لا يتيسر محوه من الذاكرة. ومن ثم قاوموا فكرة الجامعة الإسلامية مقاومة عنيفة وأوجسوا خيفة من ترك دعاتها يجمعون العواطف حولها. خصوصًا إذا قام هذا الجمع على حشد قوى المسلمين وراء الترك، أي وراء دولة الخلافة، غير أن سواد المسلمين ببواعث شتى مال إلى هذا الاتجاه. ومن ثم اقترنت فكرة الجامعة الإسلامية بفكرة الخلافة العثمانية، ووجد المسلمون في هذه الفكرة السبيل الوحيد لإنقاذهم من براثن الاستعمار الأوروبي، واقتنع بهذه الفكرة الزعيم مصطفى كامل، ورأى في بقاء الدولة العلية يومئذ أمرًا لازمًا للتوازن الدولي، لولا ما أصابها من ضعف جعل ممتلكاتها طعمة للاستعمار الأوروبي. أما الأوروبيون فقد ابتدعوا لمحاربة قيام الجامعة الإسلامية فكرة الجامعة العربية التي دعا إليها كثير من كتاب الغرب وساسته تخوفًا من الجامعة الإسلامية التي