فهرس الكتاب
فإذا حاولت مناقشته، وسرد الأدلة على بطلان قوله، يوقفك.. وبمنتهى الحكمة، بكلمات متأنية يقول لك:"علينا أن نراعي الحقائق على الأرض ؛ ومن الخطأ أن نتوقف عند الشعارات ؛ وهناك فارق بين النظرية والتطبيق".
وغير ذلك من العبارات التي تدل على أن قائلها"واقعي"، في حين أن المعترض"جاهل"كبير غير مطلع على بواطن الأمور،"متحمس"تجره العاطفة إلى عدم تقدير الواقع!.
ولا شك أن حساب معطيات الواقع أمر لا بد منه، وأن الكلام عن الطموحات والأهداف يجب أن يكون معقولا، لا بناء على الهواء يوشك أن يقع على من بناه، ولا زراعة في البحر لاتحصد- بعد الجهد- غير الماء! ولذلك فإننا نرفض موقف من يسعى إلى خلافة راشدة اعتمادا على بضعة رجال، ويسقط أمريكا، وينفلها أصحابه، لا استنادا على رؤية منبثقة من فقه الواقع، وإنما اعتمادا على"الإيدز"الذي سيقضي على أمريكا من الداخل!
إنه موقف مرفوض تمامًا، كموقف من يضع الأصول والثوابت وراءه ظهريا مدعيا فقه الواقع، متعلقا بما يسميه"الحقائق"، رافضًا"التنظير"! والسؤال المهم الآن هو: إلى أي مدى يستطيع الداعية التوفيق بين النظري والعملي؟ وبمعنى آخر: هل يستطيع الداعية أن يبقي متمسكا بمبادئه وأهدافه إلى النهاية؟ أم أن ضغط الواقع سيجره إلى التنازل المبرر عن مبادئه وأهدافه؟
إن دعوة الجاهلية الدعاة إلى الإصلاح من خلال مؤسساتها، تمثل إغراء تصعب مقاومته، وتؤثر سلبا على المنهج السليم في التغيير...
لقد واجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثل هذا الموقف . واقع صعب ضاغط ،
وعروض من الجاهلية توهم بالتنازل: كن ملكا، كن أغنانا، كن سيدنا... فلم ينثن - صلى الله عليه وسلم - ، ولم ينسحب إلى التأويل، بل بقي ثابتا على مبادئه"النظرية"التي بدأ بها.
وهذا منهج في الدعوة: فلا يجوز التنازل عن ثوابت الدعوة مقابل أي مكسب جانبي، أو نصر متوهم، لقد عبرت أكثر من آية عن هذا المنهج، إليك بعضها: