فهرس الكتاب

الصفحة 128 من 416

جلوسًا طويلًا، فقمت إليه وهو على حصير الصلاة، فقال لي يا صالح! أتحدثني بما في نفسك أم أحدثك؟ فقلمت: بل هو من أمير المؤمين أحسن. فقال: كأنني بك وقد استحسنت من مجلسنا، فقلت: أى خليفة خليفتنا إن لم يكن يقول بقول أبيه من القول بخلق القرآن!

فقال: قد كنت على ذلك برهة من الدهر، حتى قدم على الواثق شيخا من أهل الفقه والحديث من (أذنة) من الثغر الشامي مقيدا، طوالا، حسن الشيبة، فسلم غير هائب، ودعا فأوجز، فرأيت الحياء منه في حماليق عيني الواثق والرحمة عليه.

فقال: يا شيخ! أجب أبا عبد الله أحمد بن أبي دؤاد عما يسألك عنه. فقال: يا أمير المؤمنين! أحمد يصغر ويضغف ويقل عند المناظرة.

فرأيت الواثق وقد صار مكان الرحمة عليه والرقة له غضبا، فقال: أبو عبد الله يصغر ويضعف ويقل عند مناظرتك؟! فقال: هون عليك يا أمير المؤمنين! أتأذن لي في كلامه؟ فقال له الواثق: قد أذنت لك.

فأقبل الشيخ على أحمد، فقال: يا أحمد! إلام دعوت الناس؟ فقال أحمد: إلى القول بخلق القرآن. فقال له الشيخ: مقالتك هذه التي دعوت الناس إليها من القول بخلق القرآن؟ أداخلة في الدين فلا يكون الدين تامًا إلا بالقول بها؟ قال: نعم. قال الشيخ: فرسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعا الناس إليها أم تركهم. قال: لا. قال له: يعلمها أم لم يعلمها؟ قال: علمها، قال: فلم دعوت الناس إلى مالم يدعهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليه وتركهم منه ؟

فأمسك، فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين! هذه واحدة.

ثم قال له: أخبرني يا أحمد! قال الله تعالى في كتابه العزيز: (( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) ) [المائدة: 3] ، فقلت أنت: إن الدين لا يكون تاما إلا بمقالك بخلق القرآن، فالله تعالى عز وجل أصدق في تمامه وكماله أم أنت في نقصانك؟! فأمسك، فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين! وهذه ثانية!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت