فهرس الكتاب

الصفحة 132 من 416

ما أدركه العقل من مسائلها فهو يشهد له بالصحة تصديقًا وتعضيدًا وما قصر العقل عن إدراكه من مسائلها، فهذا لعظمة الشريعة وتفوقها. ومع ذلك فليس في العقل ما يمنع وقوع تلك المسائل التي عجز العقل عن إدراكها؟ فالشريعة تأتي بما يحير العقول لا بماتحيله العقول.. وذلك كالعلوم الغيبية وما في حكمها، فهذه إنما تعرف من جهة خبر الشارع، وأما من أحال غير المعتاد من العلوم على المعتاد منها لمعرفتها وكشف حقيقتها؛فقد يقع في التكذيب أو التشكيك، كمن أنكر أخبار الشارع بمعجزات الأنبياء كقلب الشجر حيوانا، وانشقاق القمر، وغيرها، وكمن أنكر إخبار الشارع بصفات الله تعالى وأسمائه، وأحوال المعاد والجزاء والحساب، وتفاصيل ذلك، ونحوها من مسائل الغيب، فمن قايس هذه المسائل الغيبية وحاكمها إلى المعلومات المشاهدة المحسوسة لم يهتد فيها إلى الصواب، بل يقابلها بالإنكار والرد، ويحتج في إنكارها بما يسميه المعقول، كمن ينكر أحوال البرزخ والصراط والميزان... إلخ، لأنه لا يعقل وجود صفة على غير المعتاد من صفات المخلوقين...

والحق أنه ليس في العقل ما يشهد بإحالة شيء من ذلك، وإنما فيه إثبات عجز العقل عن درك هذه المسائل على حقيقتها، وما ذلك إلا لكمال الشريعة، وتفوقها وعجز العقل وقصوره... أما أن يأتي الشرع بما يعلم العقل الصحيح بطلانه فهذا محال!.

والمقصود هو بيان أن العقل الصحيح لا يعارض النقل الصحيح، وأن الحاكم والمقدم في موارد النزاع هو النقل، بل كما يقول الشاطبي رحمه الله

تعالى (إذا تعارض النقل والعقل على المسائل الشرعية فعلى شرط أن يتقدم النقل، فيكون متبوعا، ويتأخر العقل فيكون تابعا، فلا يسرح العقل في مجال النظر إلا بقدر ما يسرحه النقل) [1] " [2] ."

(1) الموافقات 1/ 87.

(2) انظر كتاب منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد عند أهل المئنة والجماعة 2/ 352- 356 بتصرف واختصار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت