فهرس الكتاب

الصفحة 145 من 416

ويعلق سيد قطب رحمه الله تعالى في موطن آخر على الأهمية الكبرى لخاصية الثبات في هذا الدين فيقول:"والقيمة الكبري لهذه الخاصية، هي تثبيت الأصل الذي يقوم عليه شعور المسلم وتصوره؛ فتقوم عليه الحياة الإسلامية والمجتمع الإسلامي في استقرار وثبات، مع إطلاق الحرية للنمو الطبيعي في الأفكار والمشاعر، وفي الأنظمة، والأوضاع. فلا تتجمد في قالب حديدى ميت- كالذي أرادته الكنيسة في العصور الوسطى- ولا تنفلت كذلك من كل ضابط انفلات النجم الهالك من مداره وفلكه ! وانفلات القطيع الشارد في المهلكة المقطوعة ! كما"

صنعت أوربا في تاريخها الحديث، حتى انتهت إلى ذلك التفكير الماركسي

الشائه!

ولعل هذه الخاصية هي التي ضمنت للمجتمع الإسلامي تماسكه وقوته مدى ألف عام، على الرغم من جميع الهزات، ومن جميع الضربات، ومن جميع الهجمات الوحشية عليه من أعدائه المحيطين به في كل مكان.. ولم يبدأ تفككه وضعفه إلا منذ أن تخلى عن هذه الخاصية في تصوره، وإلا منذ أن أفلح أعداؤه في تنحية التوجيه الإسلامي، وإحلال التوجيهات الغربية مكانه في العالم الإسلامي.

ومما لا شك فيه أن المجتمع الذي يجري دائما وراء تصورات متقلبة أبدا، لا تستند إلى أصل ثابت إطلاقا، تنبع من الفكر البشري المحدود المعرفة، الظني المعرفة كذلك، الذي يبني علمه- مهما علم- على الظن والحدس والخرص، والفروض المتقلبة أبدًا، ثم يجعل من هذا العلم الظني إلهًا، أو يجعل من الهوى المتقلب إلهًا، يتلقى منه التصورات والقيم وا لموا زين.

مما لا شك فيه أن مجتمعًا كهذا معرض دائمًا للهزات العنيفة، والأرجحة المستمرة، التي تنشيء في عقله الحيرة، وفي ضميره البلبلة، وفي أعصابه التعب، وفي حياته الشرود، وفي كيانه الفساد.

وهذا هو الذي حدث في الجتمعات الأوربية المفلتة من كل أصل ثابت . وهذا هو الذي تشقى به البشرية كلها اليوم. وهي تخبط في التيه،

وراء المجتمعات الأوربية الشاردة!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت