فهرس الكتاب
ولا يظهر خطر مثل هذه الفتاوى، كما يظهر في هذه الأزمنة المتأخرة حيث تساهل بعض المفتين هداهم الله، وتسرعوا في إفتاء الناس بفتاوى تطير عبر وسائل الإعلام بشتى صورها إلى أصقاع الدنيا، فيعمل بها الناس، مع مخالفتها أحيانًا للدليل الصحيح، أو حاجتها إلى مزيد من التأمل والدراسة، والنظر في حال المستفتي وزمانه ومكانه وقصده، أو الإفتاء في مسألة دون النظر إلى مآلات الفتوى فيها.
ومما يؤلم النفس أن نرى في هذا الزمان جرأة على أحكام الله عز وجل من الصغير والكبير والمرأة والرجل، لا يتورعون من القول في شرع الله تعالى بلا علم، أو تقليد أعمى وذلك في المجالس أو على أعمدة الصحف والمجلات!!
ونظرًا لعظم شأن الفتوى وخطورتها أنبه نفسي وإخواني من أهل العلم
إلى الوقفات التالية:
الوقفة الأولى: لا يخفى علينا ما كان عليه سلف الأمة من الصحابة والتابعين لهم بإحسان من الخوف الشديد من إفتاء الناس، والتوقيع عن رب العالمين في كون الأمر المسؤول عنه حلالًا أو حرامًا، وإذا كا ن خوف السلف شديدًا من الإفتاء، وهم على ما هم عليه من العلم الغزير والورع الشديد، فحري أن يكون من بعدهم أشد خوفًا وإشفاقًا منهم.
وفيما يلي أمثلة مضيئة من حال سلفنا الصالح الذين جمعوا بين العلم العظيم والخوف من الله عز وجل، ومع ذلك كانوا يكرهون الإفتاء ولا يجيبون على كل مسألة يسألون عنها؛ لعل في قراءتنا لها أكبر عظة وعبرة.
قال ابن الصلاح [1] :"عن محمد بن المنكدر، قال: إن العالم بين الله"
وبين خلقه، فلينظر كيف يدخل بينهم [2] ...
... ولما ذكرناه هاب الفتيا من هابها من أكابر العلماء العاملين وأفاضل السالفين والخالفين، وكان أحدهم لا تمنعه شهرته بالأمانة، واضطلاعه بمعرفة المعضلات في اعتقاد من يسأله من العامة من أن يدافع بالجواب، أو يقول: لا أدري، أو يؤخر الجواب إلى حين يدري.
(1) في أدب المفتي ص 74.
(2) وانظر الفقيه والمتفقه 2/ 168.