فهرس الكتاب
الوقفة الثانية: إن من علامة عالم الملة المتجرد لله سبحانه أن لا يميل
مع أهواء الناس وما يشتهون، بل يراقب الله عز وجل، ويفتي بما يرضي الله سبحانه، وهو ما كان عليه الدليل الصحيح، دون النظر إلى أغراض الناس وما سيقولونه عن المفتي وشدته أو سماحته؛ لأنهم لن يغنوا عنه من الله شيئا يوم القيامة. وفي ذلك يقول ابن القيم رحمه الله تعالى:"قد تكرر لكثير من أهل الإفتاء الإمساك عما يفتون به مما يعلمون أنه الحق إذا خالف غرض السائل ولم يوافقه. وكثير منهم يسأله عن غرضه، فإن صادفه عنده كتب له، وإلا دله على مفتٍ أو مذهب يكون غرضه عنده. وهذا غير جائز على الإطلاق، بل لا بد فيه من تفصيل؛ فإن كان المسؤول عنه من مسائل العلم والمحنة أو من المسائل العلميات التي فيها نصن عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يسع المفتي تركه إلى غرض السائل، بل لا يسعه توقفه في الإفتاء به على غرض السائل، بل ذلك إثم عظيم، وكيف يسعه من الله أن يقدم غرض السائل على الله ورسوله؟"
وإن كانت المسألة من المسائل الاجتهادية التي يتجاذب أعتتها الأقوال والأقيسة، فإن لم يترجح له قول منها لم يسع له أن يترجح لغرض السائل، وإن ترجح له قول منها وظن أنه الحق فأولى بذلك؛ فإن السائل إنما يسأل عما يلزمه في الحكم ويسعه عند الله عز وجل، فإن عرفه المفتي أفتاه به سواء وافق غرضه أو خالفه. ولا يسعه ذلك أيضا إذا علم أن السائل يدور على من يفتيه بغرضه في تلك المسألة فيجعل استفتاءه تنفيذا لغرض، لا تعبدا لله تعالى بأداء حقه؛ فلا يسعه، بل ولا يجب عليه أن يفتي هذا الضرب من الناس فإنهم لا يسألون ديانة وإنما يستفتون توصلًا إلى حصول أغراضهم بأي طريق اتفق، فلا يجب على المفتي
مساعدتهم، فإنهم لا يريدون الحق، بل يريدون أغراضهم بأي طريق وافق" [1] ."
(1) أعلام الموقعين 4/ 259.