فهرس الكتاب
الوقفة الثالثة: على المفتي الذي يخاف يوم الحساب أن يتفطن لمكر وخداع بعض المستفتين، ومسائلهم التي في بعضها تحيل على إسقاط واجب أو تحليل محرم"فلا يعينهم على ذلك، بل يجب أن يكون بصيرا بأحوال الناس وخداعهم، وفي ذلك يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى عن المفتي:"يحرم عليه إذا جاءته مسألة فيها تحيل على إسقاط واجب، أو تحليل محرم أو مكر، أو خداع أن يعين المستفتي فيها، ويرشده إلى مطلوبه، أو يفتيه بالظاهر الذي يتوصل به إلى مقصوده، بل ينبغي له أن يكون بصيرا بمكر الناس وخداعهم وأحوالهم، ولا ينبغي له أن يحسن الظن بهم، بل يكون حذرا فطنا فقيها بأحوال الناس وأمورهم، يؤازره فقهه في الشرع، وإن لم يكن كذلك زاغ وأزاغ، وكم من مسألة ظاهرها ظاهر جميل، وباطنها مكر وخداع وظلم؟ فالغبي ينظر إلى ظاهرها ويقضي بجوازه، وذو البصيرة يتفقد مقصدها وباطنها؛ فالأول يروج عليه زغل المسائل كما يروج على الجاهل بالنقد زغل الدراهم. والثاني يخرج زيفها كما يخرج الناقد زيف النقود.
وكم من باطل يخرجه الرجل بحسن لفظه وتنميقه وإبرازه في صورة حق. وكم من حق يخرجه بتهجينه، وسوء تعبيره في صورة باطل؟ ومن له أدنى فطنة وخبرة لا يخفى عليه ذلك ، بل هذا أغلب أحوال
الناس" [1] أهـ ."
(1) أعلام الموقعين (4/ 229) .