فهرس الكتاب
غضب صاحبي ولوى وجهه، وأدبر يجمع حججه وقد لبس جلباب الواقعية والتعقل والإصلاح، ولم يعلم أنه إنما يقر بهدم أمة، ويؤكد ضياع جيل أو أجيال، ويستسلم لهوان، بل يؤصل لمدرسة الهوان التي حاربت الهدى. وإلا كيف يفسر مغامرة الأنبياء بمواجهة أممهم؟ وكيف يفسر رقفة الرسول - صلى الله عليه وسلم - على الصفا؟ وكيف يفسر ذهابه للطائف، ثم العودة إلى مكة في جوار المطعم؟ وكيف يفسر الهجرة؟ بل أعظم من هذا كيف يفسر معركة بدر وأحد والحديبية وجل الغزوات والسرايا.
لولا خشية صاحبي وبقية تقوى وخير لقال: إنها تهور وهلكة لم يأمر الله بها. لندع تلك الأمثلة ولنقل: لما فعل محمد بن عبد الوهاب ما فعل؟ أين الواقعية بل أين جبرية صاحبنا هذا من موقف هذا الداعية؟
وهكذا ما من مصلح ومغير إلا وهو في نظر صاحبي متهور، وما من ميت وهو حي إلا وهو واقعي، وكل الجمادات واقع.
صاحبي خذ واقعيتك واجلس عليها في شارع الواقعيين فستجد أنصارًا أكبر وأكثر مما كنت تتوقع. هؤلاء الواقعيون ينكرون قدرة الحق على التغيير، ينكرون دور عباد الله المخلصين في مسار الأمم، ويستغربون العمل النافع الرائد... إنهم مترددون لاغير، إنهم يتركون للواقع، للمجتمع أن يغير مسارهم وأن يرسم لهم الطريق والخطوة القادمة. بل قال صاحبي: من يقف في وجه الريح ويغير مسارها؟ قلت له: لا تقف إن كنت عاجزا، ولكن لا تهب معها حيث هبت ذلك أسمى ما أريد منك.
هيهات إنه يرى نفسه واقعيا. من هؤلاء رجال خيرون يفكرون في الإصلاح ولكن يجب أن يدركوا أن الثوب الخرق: كلما رقعته من جانب هبت الريح عليه فانخرق" [1] ."
(1) مجلة السنة: العدد الثاني ص 99-101.