فهرس الكتاب
وهكذا الحديث المفسر للآية، وهو قول ابن مسعود: خط لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطًا ، فقال: (( هذاسبيل الله ) ، ثم خط لنا خطوطًا عن يمينه
ويساره، وقال: (هذه سبل، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه ) ) [1] ، ثم تلا هذه الآية.
ففي الحديث أنها خطوط متعددة غير محصورة بعدد، فلم يكن لنا سبيل إلى حصر عددها من جهة النقل، ولا لنا أيضا سبيل إلى حصرها من جهة العقل أو الاستقراء.
أما العقل ؛ فإنه لايقضي عددا دون آخر ؛ لأنه غير راجع إلى أمر محصور ألا ترى أن الزيغ راجع إلى الجهالات؟ ووجوه الجهل لا تنحصر، فصارطلب حصرها عناء من غير فائدة.
وأما الاستقراء ؛ فغير نافع أيضًا في هذا المطلب ؛ لأنا لما نظرنا في طرق البدع من حين نبتت، وجدناها تزداد على الأيام، ولا يأتي زمان إلا وغريبة من غرائب الاستنباط تحدث، إلى زماننا هذا، وإذا كان كذلك ؛ فيمكن أن يحدث بعد زماننا استدلالات أخر لا عهد لنا بها فيما تقدم، لا سيما عند كثرة الجهل، وقلة العلم، وبعد الناظرين فيه عن درجة الاجتهاد، فلا يمكن إذا حصرها في هذا الوجه.
ولا يقال: إنها ترجع إلى مخالفة طريق الحق فإن وجوه المخالفات لا تنحصر أيضا، فثبت أن تتبع هذا الوجه عناء، لكنا نذكر من ذلك أوجها كلية يقاس عليها ما سواها:
فمنها: اعتمادهم على ألاحاديث الواهية الضعيفة والمكذوب فيها على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، والتي لا يقبلها أهل صناعة الحديث في البناء عليها...
(1) تقدم تخريجه ص 31.