فهرس الكتاب

الصفحة 70 من 416

فإذا نجا منها لم يبق هناك عقبة يطلبه العدو عليها سوى واحدة لا بد منها. ولو نجا منها أحد لنجا منها رسل الله وأنبياؤه، وأكرم الخلق عليه. وهي عقبة تسليط جنده عليه بأنواع الأذى، باليد واللسان والقلب، على حسب مرتبته في الخير، فكلما علت مرتبته أجلب عليه العدو بخيله ورجله، وظاهر عليه بجنده، وسلط عليه حزبه وأهله بأنواع التسليط. وهذه العقبة لا حيلة له في التخلص منها؛ فإنه كلما جد في الاستقامة والدعوة إلى الله، والقيام له بأمره، جد العدو في إغراء السفهاء به. فهو في هذه العقبة قد لبس لأمة الحرب، وأخذ في محاربة العدو لله وبالله؛ فعبوديته فيها عبودية خواص العارفين. وهي تسمى عبودية المراغمة، ولا ينتبه لها إلا أولوا البصائر التامة. ولا شيء أحب إلى الله من مراغمة وليه

لعدوه، وإغاظته له وقد أشار سبحانه إلى هذه العبودية في مواضع من

كتابه:

أحدها: قوله: (( وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَة ) ) [النساء: 100] ، سمي المهاجر الذي يهاجر إلى عبادة الله مراغما يراغم به عدوه الله وعدوه. والله يحب من وليه مراغمة عدوه، وإغاظته. كما قال تعالى: (( ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَأُونَ مَوْطِئًا يُغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ) ) [التوبة: 120] ، وقال تعالى: في مثل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأتباعه: (( وَمَثَلُهُمْ فِي الْأِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ) ) [الفتح: 29]

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت